فهرس الكتاب
فان فعل به ذلك فقد أتم انعامه عليه, وان تخلى عنه, فلم يظلمه, ولا منعه حقا هو له, وأن رحمته وحكمته اقتضى منعه وتخليته في محبسه, ولا سيما اذا علم أن الحبس حبيه, وأن هذا العدو الذي حبسه مملوك من مماليكه, وعبد من عبيده, ناصيته بيده لا يتصرف الا باذنه ومشيئته, فهو غير ملتفت اليه, ولا خائف منه, ولا معتقد أن له شيئا من الأمر, ولا بيده نفع ولا ضر, بل هو ناظر الى مالكه, ومتولى أمره ومن ناصيته بيده, وقد أفرده بالخوف والرجاء, والتضرّع اليه والالتجاء, والرغبة والرهبة, فهناك تأتيه جيوش النصر والظفر.
أعلى الهمم في طلب العلم, طلب علم الكتاب والسنة, والفهم عن الله ورسوله نفس المراد, وعلم حدود المنزل. وأخّس هموه طلاب العلم, قصر همته على تتبع شواذ المسائل, وما لم ينزل, ولا هو واقع, أو كانت همته معرفة الاختلاف, وتتبع أقوال الناس, وليس له همة الى معرفة الصحيح من تلك الأقوال. وقلّ أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه.
وأعلى الهمم في باب الارادة أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع مراده الديني الأمري. وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله, فهو انما يعبد لمراده منه لا لمراد الله منه, فالأول يريد الله ويريد مراده, والثاني: يريد من الله وهو فارغ عن ارادته.