فهرس الكتاب
فالمعية الخاصة التي للمؤمن مع ربه والهه قد صارت لهذا الكافر والفاجر مع الشيطان ومع نفسه وهواه وقربانه, ولهذا صدّر الآية بقوله: { ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم} الفرقان 55, وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة, فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته ومساخطه, بخلاف وليه سبحانه, فانه معه على نفسه وشيطانه وهواه. وهذا المعنى من كنوز القرآن لمن فهمه وعقله, وبالله التوفيق.
قوله تعالى: {والذين اذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا} الفرقان 73. قال مقاتل: اذا وعظوا بالقرآن لم يقعوا عليه صما لم يسمعوه, وعميانا لم يبصروه, ولكنهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به. وقال ابن عباس: لم يكونوا صما وعميانا, بل كانوا خائفين خاشعين. وقال الكلبي: يخرّون عليها سمعا وبصرا. وقال الفراء: واذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوه, فذلك الخرور. وسمعت العرب تقول: قعد يشتمني, كقولك: قام يشتمني, وأقبل يشتمني: والمعنى على ما ذكر: لم يصيروا عندها صما وعميلنا. وقال الزجاج: المعنى: اذا تليت عليهم خروا سجدا وبكيا سامعين مبصرين كما أمروا به: وقال ابن قتيبة: أي لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها.
قلت: ها هنا أمران ذكر الخرور, وتسليط النفي عليه, وهل هو خرور القلب أو خرور البدن للسجود؟ وهل المعنى: لم يكن خرورهم عن صمم وعمه فلهم عليها خرور القلب خضوعا, أو البدن سجودا, أو ليس هناك خرور وعبر عن القعود؟