فهرس الكتاب
قال العلامة ابن القيم: فسألت شيخنا"الامام الجليل ابن تيمية"هل يدخل في ذلك قضاء الذنب؟ فقال: نعم بشرطه, فأجمل في لفظة"بشرطه"ما يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك.
[54] (فائدة)
الرغبة في الآخرة تقتضي الزهد بالدنيا
لا تتم الرغبة في الآخرة الا بالزهد في الدنيا, ولا يستقيم الزهد في الدنيا الا بعد نظرين صحيحين:
النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخسّتها, وألم المزاحمة عليها والحرص عليها, وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد, وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف, فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها, وهم في حال الظفر بها, وغم وحزن بعد فواتها. فهذا أحد النظرين.
(النظر الثاني) في الآخرة واقبالها ومجيئها ولا بد, ودوامها وبقائها, وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما ها هنا فهي كما قال سبحانه: { والآخرة خير وأبقى} الأعلى 17. فهي خيرات كاملة دائمة, وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة. فاذا تم له هذين النظران آثر ما يقتضي العقل ايثاره, وزهد فيما يقتضي الزهد فيه. فكل أحد مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة الى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة, الا اذا تبين الفضل له, واما لعدم رغبته في الأفضل, وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الايمان وضعف العقل والبصيرة. فان الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها اما أن يصدّق بأن هناك أشرف وأفضل وأبقى, واما أن لا يصدّق, فان لم يصدق بذلك كان عادما للايمان رأسا, وان صدّق ذلك كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه.