فهرس الكتاب
وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه. فايثار الدنيا على الآخرة اما من فساد الايمان, واما من فساد العقل. وما أكثر ما يكون منهما. ولهذا نبذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم, واطرحوها ولم يألفوها, وهجروها ولم يميلوا اليها, وعدّوها سجنا لا جنّة. فزهدوا فيها حقيقة الزهد, ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب ولوصلوا منها الى كل مرغوب. فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردّها, وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها, وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر, وأنها دار عبور لا دار سرور, وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل, وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن الرحيل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:"مالي وللدنيا, انما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها"أخرجه الترمذي في الزهد 4\508 (2377) , وابن ماجه وأحمد والسيوطي. وقال:"ما الدنيا في الآخرة الا كما يدخل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بما ترجع". أخرجه مسلم في الجنة 4\2193 رقم 55 [2858] , والترمذي وابن ماجه.
وقال خالقها سبحانه: {انما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى اذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصّل الآيات لقوم يتفكّرون * والله يدعو الى دار السلام ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم} يونس 24,25, فأخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها, وأخبر عن دار السلام ودعا اليها.
وقال تعالى: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} الكهف 45,46.