«إن الأمر يبدو كلوحة صغيرة وأنا راكعةٌ على ركبتىّ ... »
وفيما يبدو أن أمرنا هذا لا يتعدى كونه إيقاعًا راقصًا وحفنة من الكلمات اللعوب، بدأت أستمع إلى المقطع نفسه من الخلف إلى الأمام. استمعت مرة ومرتين وثلاثًا حتى استطاعت أذناى أن تلتقط هذا التعبير: Hero, O Satan! «أيها الشيطان البطل» !
ورغم أن الشاعر العربى الراحل، أمل دنقل، قال ذات يوم: «المجد للشيطان، معبود الرياح، من قال: (لا) ، في وجه من قالوا: (نعم) ، من علّم الإنسان تمزيق العدم، من قال: (لا) ، فلم يمت، وظل روحًا أبدية الألم» - رغم ذلك فإن ما يشفع له أنه أولًا قالها صراحةً، لأنه ثانيًا لم يقصد بها المعنى الظاهرى الذى يمكن أن يفهم البعض منه تمجيدًا للشيطان الذى نعرفه، وإنما كان يقصد من وراء ذلك بث روح الإباء في شعب عربى مستضعف. أما هذا الذى على شريط مادونا فهو بعينه دس السم في العسل عن طريق اللاوعى.
يبدو هنا أننا بإزاء مساحة يلفها من الغموض أكثر مما يلفها من وضوح الرؤية، مساحة يتغلب فيها اللاوعى على الوعى. وحين يبدأ هذا في الحدوث يبدأ القلق في السيطرة على الإنسان. ومما لا شك فيه أن قلقًا شديدًا كان قد بدأ يتسرب إلىّ وقد عدت الآن إلى منزلى مهمومًا بهذا السؤال: «من أين أبدأ؟»
عندما اتصلت بالسائق الباكستانى كى أشكره وأسأله كيف استطاع التقاط هذا السم من بين العسل، قال لى إنه وعددًا من أصدقائه قد شكلوا جماعة إسلامية لمكافحة الماسونية: «يا أخى إنها تسيطر على العالم وتتلوى كالثعبان وتتلون كالحرباء، فإن لم تستطع الوصول إليك صراحةً فإنها تصل إليك عن طريق ألاعيب اللاوعى» . لم يكن الأمر في حاجة إلى كثير من البحث المبدئى، فقد كان الغموض واضحًا بما يكفى.