لا يخفى على كل باحث في مجال علم النحو ما لأبي البركات البغدادي أو الأنباري من أثر جليّ في مساره، لما تميز به من ثقافة وسعة إدراك، ووضوح منهج، وحرص على إثبات مواقف مشاهير النحاة من المسائل النحوية، فكانت مؤلفاته النحوية كالمصب العظيم الذي تلتقي فيه شتى الروافد لما تشمل عليه من آراء وأفكار تمثل مختلف الإتجاهات والمدارس النحوية التي سادت عصره، ومذ تتبعنا حياة البغدادي وجدنا صلته بالتطور الذي حصل في مجالات العلم كالفقه والتفسير والمنطق والعربية على يد سلاطين القرن السادس الهجري، وبروز المدرسة النظامية البغدادية، واحتضانها تلامذة العلم، مما ولّد أثرًا في تكوينه الذاتي والفكري، فبنى ثقافته واستمدها، وحدد مساره العلمي من خلال تتبعه ومتابعة المسار العام الذي نشأ وبان في عصره ونحن نعلم أن الأديب أو العالم ابن بيئته يتغذى منها ويغذيها، فصاحبنا البغدادي أنموذجًا لهذا الازدهار الثقافي التعليمي الذي ترعرع في مدينة العلم بغداد. وقد نسبته الى بغداد خلافًا لما اعتاد عليه الباحثون
لسببين رئيسين هما:
الأول: إن بغداد كانت وما زالت قاعدة رصينة للعلم والعلماء، تهفو لها أفئدة العلماء والمسلمين فالانتساب الى هذه المدينة العريقة يعّد مفخرة لهم.
الثاني: إن أكثر العلماء نسبوه الى بغداد كالقفطي وابن قاضي شهبة واليافعي والسيوطي والقلة القليلة نسبوه الى الأنبار، فنسبته الى بغداد ـ على الأرجح ـ أقرب للحقيقة والله أعلم.
وفي هذا البحث حاولت تقديم صورة حقيقية واضحة عن عصره وازدهاره العلمي وتجربته ومذهبه النحوي ولا أعد هذا العمل تاما لكني حاولت إظهار الحقيقة فإن وفقت كان ما أردت وإن قصرت فلي عذر من الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين: (من إجتهد فأصاب فله أجران ومن إجتهد فاخطأ فله أجر واحد) اللهم تقبل عملنا ولا تحرمنا أجره وما توفيقنا إلا بك.
مجيد البديري
المبحث الأول