ثم أما بعد فإن العبد الصالح إذا أكرمه اللَّه بالهداية إلى طريقه المستقيم كان أبرز سمات الصلاح فيه أن يكون رجّاعًا إلى الحق والصواب؛ كلما ردّه من هو أعلم منه، يرجع إلى الحق، وينتهي عن ما وقع فيه ولسان حاله يقول: رحم اللَّه من أهدى إليَّ عيوبي، ويدعو لمن أرشده في السرِّ والعلانية، وليس شرطًا أن يكون الناصح أعلم من المنصوح، كما حدث لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صدق النساء! وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند اللَّه أو كرامة لم تسبقوهم إليها؛ فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال ثم نزل. فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم. قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل اللَّه في القرآن؟ قال: وأيّ ذلك؟ قالت: أما سمعت اللَّه يقول: +" [سورة النساء, آية:20] قال: فقال: اللهم غفرًا؛ كل الناس أفقه من عمر؟!. ثم رجع فركب المنبر؛ فقال: «أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب» إسناده جيد، تفسير محاسن التأويل (5/ 78]."
هذا من إكرام اللَّه لعبده الصالح ـ الفقير إلى اللَّه بعدد أنفاسه ـ أن يرجع إلى الصواب وإلى الحق، ولا يبالي بالناس من كثرتهم ولا بالمفتونين، مهما كانت مكانتهم وقوتهم، والعكس صحيح أيضًا إذا أهان اللَّه عبده فلم يقبل نصيحة الناصحين. ولم يُبالِ بتوجيه العلماء الصالحين؛ وذلك لهوان العبد على اللَّه. قال اللَّه العظيم في محكم التنزيل +" [سورة الحج, آية: 18] ."