فهرس الكتاب
الثانية: لأنه لم يعلم سبب عُري آدم وأكله من الشجرة التي حرمها اللَّه عليهما هو وزوجه.
وما ذكره المؤلف ـ وإن خلا من شناعات التوراة ـ اشترك معها في أن سبب خصف ورق الجنة عليهما الاختباء من اللَّه، والمعنى الذي يفهم من رأي المؤلف فيه إلماح إلى أن آدم وحواء كانا يجهلان أن اللَّه بكل شيء عليم، وأن حالهما من التعري لا يمكن إخفاؤه عليه ـ عز وجل ـ إذا أحكما لصق أوراق الجنة على جسديهما.
مع أن المؤلف يعلم بأن آدم لم يدخله اللَّه الجنة إلا بعد اصطفائه رسولًا. فهل الرسل ـ يا ترى ـ تجهل صفات اللَّه القدسية ومنها إحاطة علمه بكل كائن؟
ومذهب المفسرين ـ الذي رفضه المؤلف ـ يرى أن الباعث على وضع ورق الجنة عليهما هو الحياء الفطري الذي فطر اللَّه عليه آدم وبنيه. وزاده الإيمان رسوخًا في نفوس المؤمنين فأي الرأيين أولى ـ لغة واعتقادًا ـ بالقبول وأيهما أولى بالرفض؟
رأي المفسرين أم رأي المؤلف؟ إن القراء الكرام أغنياء عن أن يلقنهم ملقن من خارج أنفسهم بالإجابة السديدة على هذا التساؤل، الذي ذكرناه، ثم تركناه بلا إجابة متعمدين لا مكرهين، ولا عاجزين.
بل إننا لنطمع في الإنصاف من المؤلف نفسه، بعد ما قدمنا من وسائل الإقناع، والطمع في هذا من مثله مرشح للنجاح.
وفي نهاية هذا المبحث عاد المؤلف إلى تقرير «مقولة» كثيرًا ما ذكرها في مباحث كتابه المتقدمة، وكثيرًا ما وقفنا أمامها وكشفنا عن عورها، وأزلنا من الوجود شبهاتها قال: وهو كله ثقة بما يقول:
«فآن الأوان لنزول آدم إلى معترك الحياة الدنيا.. بعد أن هيئت له الساحة، وأخليت الأرض من المفسدين وسفاكي الدماء، ولم يُعْد فيها سوى الإنسان الجديد» . أبي آدم (165) .
ونستشهد بواقع الحياة على «أسطورته» هذه «المقولة» فواقع الحياة الدنيا ـ الآن، وقبل الآن، شاهد حق وصدق بأن الفساد في الأرض يزداد في عهد الإنسان الذي يدعيه كاتب (أبي آدم) .