لقد رأى الأجيال البائسة وأحس بآلام هذه الأجيال في أعماق روحه، فعاش حياته وهو في انفعال روحي يفكر على الدوام ليقدم حلولًا بديلة للدولة والمجتمع، وينبهَ هذه الأمة البائسة ويذكّرها أنها وإن كانت الآن تعيسة الحظ إلا أنها أمة عريقة في المجد وغنية بالبطولات.
قام بديع الزمان منذ عهد الدولة العثمانية بالتجوال في معظم أرجاء البلاد... من مدنها الكبيرة إلى قراها الصغيرة... ومن مناطقها المزدحمة إلى المناطق النائية. رأى الجهل ضاربًا أطنابه في كل مكان، ورأى الناس يتجرعون آلام الفقر... رآهم شيعًا وأحزابا يأكل بعضهم بعضًا... ارتعش فزعًا مما رآه، ولأنه كان رجل فكر ونظر ثاقب أدرك طبيعة عصره وفهمه بعمق، وحاول أن يبث في قلوب الجماهير روح العلم... واهتم بأسباب التدهور الاقتصادي وعوامل الفقر والحاجة، وبحث عن حلول لأسباب فرقة أمتنا وعن علاج لخلافاتها، وأكد دائمًا على ضرورة الوحدة والاتفاق.
دعا بديع الزمان إلى القراءة والمطالعة والتفكر، وإلى السعي والحركة، لينقذ أفراد الأمة من ضنك العزلة وليشكل مجتمعًا سليمًا مُعَافى وأمة متينة البنية، وأكد على التعليم الذي رآه ضرورة قصوى لرفع الأمة إلى الذروة التي أشار إليها... فدعا إلى طبع الكتب ونشرها، وإلى نشر المعرفة بكل أشكالها في كل مكان وإلى نشر التعليم والتربية، إذ كان يرى ضرورة اشتراك المساجد والمدارس الدينية والحديثة ومعسكرات الجنود والسجون وكافة مرافق المجتمع في تعبئة عامة للتعليم. فبالتربية والتعليم وحده يمكن تحقيق الوحدة العقلية والفكرية، وذلك لأن العقول والقلوب إن لم تتآلف مع بعضها أولا فلا يمكنها أن تقطع معًا شوطًا كبيرًا نحو المستقبل.