هذا المنظور المعتقد الذي صار كالمسلّمة الدينية اليوم عند بعضهم، واستجازت تلك الفئات على أساسه عرض أقوال من سبق من علمائنا واجتهادات المعاصرين منهم بتسليم تام واستسلام كامل لما قالوا واجتهدوا، وإيجاب الاحتكام لها؛ فما وافق صحّ! وما خالف بطل ورُدَّ!!.
هذا الأمر في حقيقته يحمل الشعار نفسه الذي نُكِّس من قبل"قفل باب الاجتهاد"لأنّ حصر مجال الاجتهاد والنظر في النصّ وحده ، حصر للاجتهاد فيما سبق من اجتهادات وأقوال ، لأنّ النصّ هو ذات النصّ ودلالته على الحكم كانت قائمة من يوم تنْزيله على الناس ومجيء الوحي به على أقدر الناس على فهمه واستنباط الحكم منه والوقوف على مراده بلا ارتياب أو تردد ـ الصحابة رضوان الله عليهم ـ، وبهذا لم يبق للمتأخرين إلاّ أن يسلّموا لما قد سبق من أحكام، ومن ثّمَّ فلا يجوز لهم أنْ يُنشئوا حكمًا ولا قولًا، ومن ثَمَّ لا يستوعَبُ أمرٌ جديدٌ في أحكام الشرع، ولا يحرّم إلاَّ ما حُرِّم من قبل، ولا يُباح إلاّ ما قد أُبيح، لا استنباطًا من النصّ ولا إلحاقًا به ولا قياسًا عليه، ولا اجتهادًا فيه.
ومعنى ذلك أنه لا فائدة مما وضعه العلماء ـ بعد استقراء مضنٍ وبحث وتفتيش طويل ـ من قواعد أصولية ولا من قواعد فقهية ، ولا ما تعبوا واجهدوا أنفسهم لتحديد المعتبر من الأدلة الشرعية والمردود منها لاستصدار الأحكام الشرعية منها وبناء الفتاوى عليها، ولا ما ضبطوا به الاجتهاد واشترطوا له الشرائط التي يجب أن تتوفّر فيمن سيقوم بمهمة الاجتهاد الشريفة.
وقد ناقش العلماء هذه المسألة وأبطلوا الدعوى فيها بما لا يلزم في هذا المقام من الإعادة والتفصيل .