الصفحة 3 من 30

والذي يهمنا من هذا التقديم: أنّ الاجتهاد لا ينبني فقط على النصّ اللفظي لا يتعدّى البحث فيه ولا يتجاوز النظر في ألفاظه، بل الاجتهاد يتجاوز النصّ إلى الروح.. ويتعدَّى المنطوق إلى المفهوم.. وينظر في حال الناس كما ينظر في أحوال الألفاظ.. ويعالج التعارض بين المصلحة والمفسدة كما يعالج التعارض بين الظاهر والمؤول وبين العام والخاص وبين المطلق والمقيد وبين الحقيقة والمجاز، ويدفع تعارض النصّ مع المصلحة بالترجيح أو الجمع كما يدفع أي تعارض وتدافع .

هذه العمليات التي يتطلبها الاجتهاد ممن يقوم به ويتصدّر له لا يكفي وجود النصّ وحده لصحة الاجتهاد والاقتراب من الإصابة فيه، وإنما لا بدّ من مؤهلاتٍ ضروريةٍ وشروطٍ أساسيةٍ فوق شرط التمكّن في النظر النّصّي، فهل يا تُرى من ضرورةٍ لاشتراط الإلمام بمقاصد الشريعة، أو القدرة على التعرّف والوصول إليها ليكتمل التأهّل للاجتهاد والنظر في أدلة الشارع؟. أم الإلمام بمقاصد التشريع والاقتدار على التعرف عليها هو شرطٌ أساسيٌّ ومؤهّل ضروري للمجتهد حتى يتأهّل أساسًا للاجتهاد والنظر في الشريعة وأدلتها وأحكامها؟

المسألة الثانية: اشتراط المقاصد في أهلية الاجتهاد:

وعلى ما سبق فلقد اشترط كثيرٌ من المحققين في الفقه والأصول من علمائنا الأفاضل الإلمام بمقاصد الشريعة ومعرفتها في أهلية الاجتهاد ، بحيث أنّ من لم يكن عالمًا بالمقاصد فاهمًا لها غير قادر على الوصول إليها ولا معرفتها لا يكون أهلًا للاجتهاد، بل يحرُم عليه الاجتهاد ، لأنّ غير المجتهد لا يجوز له أنْ يجتهد، ومن لم يتأهّل للاجتهاد فكيف يتعرّض للاجتهاد؟.

من هؤلاء: إمام الحرمين الجويني (478هـ) ، والغزالي (505هـ) ، وموفق الدين ابن قدامة (620هـ) ، وابن تيمية (728هـ) ، والسبكي (756هـ) ، والشاطبي (790هـ) وابن عاشور، وكثير من المعاصرين ـ رحمهم الله تعالى ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت