[1] فالإمام الجويني رحمه الله يرى أن التبصّر في وضع الشريعة يتطلب التفطّن للمقاصد الشرعية ، حيث يقول في"البرهان":"من لم يتفطّن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي ، فليس على بصيرة في وضع الشريعة" [1] .
ونفي كونه بصيرًا في وضع الشريعة نفي لكونه مجتهدًا ، لأنه لا يمكن أن يكون مجتهدًا في الشريعة وهو ليس ببصير في وضعها؟ والبصير في الشيء الذي يكون على بصر يبصر به الحق والصواب ، ومن ليس على بصيرة فلا يملك ما يبصر به الحق والصواب ، ومطلوب من المجتهد حتى يكون مجتهدًا أن يكون ذا بصيرة .
وهذا ظاهر في أنَّ الجويني ـ رحمه الله تعالى ـ يرى اشتراط معرفة المقاصد ومواقعها في الأوامر والنواهي ـ وهي صياغات الشرع الدالة على الأحكام ـ ليكون مريد الاجتهاد مؤهّلًا للاجتهاد.
[2] والإمام الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ ينصّ ضمن ما يرى من شروط الاجتهاد ؛ أنْ يكون طالب الاجتهاد مدركًا للمقاصد في الخطاب من الكتاب والسنّة ، بل مدركًا لدقائق المقاصد فيه. وقد ذكر جملة من الأمور التي يحتاج إليها المجتهد في عملياته الاجتهادية من معرفة النحو واللُّغة ، وما يميّز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامّه وخاصّه، ومحكمه ومتشابهه ، ومطلقه ومقيّده ، ونصّه وفحواه ، ولحنه ومفهومه، ثمّ ذكر ما يلزمه من مقدار المعرفة فيها فقال:"والتخفيف فيه أنّه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللُّغة ويتعمّق في النحو ، بل القدر الذي يتعلّق بالكتاب والسُّنَّة ، ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه"اهـ [2] .
(1) البرهان: للجويني، فقرة 205، 1/295.
(2) المستصفى: للغزالي، 2/172.