[3] ويبدو أنَّ ابن قدامة ـ رحمه الله تعالى ـ تابَعَ الغزالي في اشتراط إدراك المقاصد للمجتهد ضمن ما يرى من شروط الاجتهاد ؛ وأن يكون طالب الاجتهاد مدركًا للمقاصد في الخطاب من الكتاب والسُّنَّة ، بل مدركًا لدقائق المقاصد فيه ، وقد ذكر جملة من الأمور التي يحتاج إليها المجتهد في عملياته الاجتهادية من معرفة الأدلة وشروطها ومعرفة النَّحو واللُّغة ، وما يميّز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصّه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيّده، ونصّه وفحواه ، ولحنه ومفهومه، ـ وهذه الأمور شبيهة جدًا بالأمور التي ذكرها الغزالي مما يحتاج المجتهد لمعرفته ـ كما أنَّ كلامه الذي ألزم فيه المجتهد بدرك دقائق المقاصد في الخطاب يشبه بشكل ملحوظ عبارة الغزالي ونصّ كلامه:"ولا يلزمه من ذلك إلاّ القدر الذي يتعلّق به الكتاب والسُّنَّة ، ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك دقائق المقاصد فيه"اهـ [1] .
إِذًَا: مما يلزم المجتهد ـ في رأي الغزالي وابن قدامة ـ درك حقائق ودقائق المقاصد في الخطاب الشرعي حتى يكون مجتهدًا .
[4] وشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ يحصر الفقه في الدين في معرفة مقاصد الشريعة وحكمها وقد نصّ على ذلك فقال:"الفقه في الدّين هو معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها" [2] .
وإنْ كان الفقه محصورًا في معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ؛ فكيف يكون فقيهًا ، بلْهَ مجتهدًا من لم يكن عارفًا بحكمة الشريعة ومقاصدها؟ كيف يجهل مقاصد الشريعة ثم يجتهد؟ وهل يفقه من لم يحقّق الفقه، ومعناه محصورٌ في معرفة المقاصد؟
فيتضح أنَّ ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ يرى اشتراط معرفة المقاصد في التفقه أصلًا ، ومن باب أوْلَى في الاجتهاد في الفقه .
(1) روضة الناظر وجنة المناظر: لابن قدامة، بشرح نزهة الخاطر لابن بدران الدومي، 2/ 405- 406.
(2) مجموع الفتاوى: لابن تيمية، 11/354.