فهرس الكتاب
لكُلّ ما تقدّم أرى أنَّ هذه المسألة: (وقوع الطَّلاق بتعليق الطَّلاق) إنْ قصد به الحلف ووقع الحنث هذه المسألة مسكوت عنها في الشَّرع، وقول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم بعدم وقوع الطَّلاق به هو الأقوى دليلًا، والأيسر والأرفق بالأُمَّة، ويعتضد بعموم الحديث: (إنَّما الأعمال بالنِّيَّات) [1] ، ومن ثَمّ يصبح الطَّلاق المعلَّق نحو: إنْ فعلت كذا فأنت طالق، من كنايات الطَّلاق لا من صريحه، ينظر فيه إلى نيّة الزَّوج ومقصوده، لكن ينبغي لأهل الفتوى الالتفات إلى القرائن التي تحفّ بالقائل للتَّمييز بين ما يُعَدُّ حلفًا في الحقيقة، وما يُعَدُّ إيقاعًا للطَّلاق على الصِّفة، وعدم التَّعويل على إفادة الزَّوج وحده لكثرة الفسوق والجهل، وقلة الورع اليوم في النَّاس، وظنّ الكثيرين أنَّ الحكم مداره على قول المفتي، وهو الذي يجمع بين الزَّوجين أو يفرِّق حتَّى إنَّ بعض المستفتين يطلب من المفتي الرِّفق والنَّظر إلى حاله. وفى موطأ الإمام مالك ـ رحمه الله
تعالى ـ أنَّه بلغه أنَّ رجلًا جاء إلى عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فقال: يا أبا عبد الرحمن إنّي جعلت أمر امرأتي في يدها فطلقت نفسها، فماذا ترى؟ فقال عبد الله بن عمر: أراه كما قالت، فقال الرجل: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن! فقال ابن عمر: أنا أفعل؟! أنت الذي فعلت [2] . فأمثال هذا السَّائل كثر اليوم ينبغي التَّنبُّه إليهم.
وصلَّى الله تعالى على نبينا مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا.
(1) متفق عليه، البخاري مع الفتح كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، برقم 1، 1/9.
(2) الموطأ مع شرحه تنوير الحوالك، كتاب الطَّلاق، 2/81.