الصفحة 29 من 30

كنت أرى أنَّ مِمَّا يرجِّح قول الجمهور على قول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أنَّ الجمهور استطاعوا إيراد فتاوى للصَّحابة صريحة في لزوم الطَّلاق بالحلف بالطَّلاق، ولم يستطع شيخ الإسلام وتلميذه العثور على فتوى أو قول صريح لبعض الصَّحابة في عدم الاعتداد بالحلف بالطَّلاق، فاضطر إلى القياس على فتواهم بعدم لزوم النَّذر إذا حلف به الرجل فحنث، وإنَّما عليه الكفارة فقط، ثُمَّ وقفتُ على تنبيه لشيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ مفاده أنَّ ما نُقِلَ عن الصَّحابة إنَّما هو إيقاع الطَّلاق بالتَّعليق، الذي يسميه الجمهور:"يمينًا بالطَّلاق"، ويسميه هو:"يمينًا من حيث الصُّورة وحقيقته الطَّلاق بصفة"، وليس ذلك محل خلاف بينه والجمهور في وقوع الطَّلاق به، ثُمَّ تأملت ما ذكر عن الصَّحابة في أدلة الجمهور، فلم أجد فيه ما يُعِدّه شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ يمينًا بالطَّلاق، قال ـ رحمه الله تعالى ـ:"لم يكونوا يحلفون بالطَّلاق، ولهذا لم يُنْقَل عن الصَّحابة نقل خاص في الحلف، وإنَّما نُقِلَ عنهم الكلام في إيقاع الطَّلاق لا في الحلف به. والفرق ظاهر بين الطَّلاق وبين الحلف به، كما يُعرف الفرق بين النَّذر وبين الحلف بالنَّذر، فإذا كان الرجل يطلب من الله تعالى حاجة فقال: إنْ شفى الله تعالى مرضي أو قضى دَيْني أو خلصني من هذه الشِّدة فلله عليَّ أنْ أتصدّق بألف درهم أو أصوم شهرًا أو أعتق رقبة، فهذا تعليق نذر يجب عليه الوفاء به بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، وإذا علّق النَّذر على وجه اليمين، فقال: إنْ سافرت معكم، إنْ زوجت فلانًا، إنْ أضرب فلانًا، إنْ لم أسافر من عندكم فعليَّ الحج أو فمالي صدقة أو فعليَّ عتق، فهذا عند الصَّحابة وجمهور العلماء هو حالف بالنَّذر، ليس بناذر [1] ."

(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 17/24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت