وذكر الآلوسي أنَّ في نفي موسى للجهل عن نفسه، نفيٌ لملزومه الذي اتُهم به وهو الاستهزاء، وذلك عن طريق الكناية. وأن الاستعاذة بالله من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه. [1]
وكان في هذا التوجيه ما يكفي ليثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى ربهم وينفذوا أمر نبيهم، ولكنهم كعادتهم يلجأون إلى المماطلة والتلكؤ، فيسألون أسئلة لا حاجة إليها:
{قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ}
إنهم بهذا السؤال وبهذه الصيغة يكشفون عن أنفسهم التي يساورها الشك أن يكون موسى هازئًا غير جاد فيما طلب منهم. وفي قولهم:"ادع لنا ربك"من سوء الأدب ما لا يخفى، فكأنما هو ربه وحده وليس رب الجميع، وكأن المسألة لا تعنيهم هم وإنما تعني موسى وربه. وفي سؤالهم عن ماهية البقرة بقولهم:"ما هي"سوء أدب آخر، فالسؤال في هذا المقام يشير إلى إنكارهم واستهزائهم. فهي ليست إلا بقرة، وقد قال لهم نبيهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة أو سمة.
ثم يسلك موسى في الإجابة طريقًا غير طريق السؤال. فقد كان بالإمكان أنْ يبين لهم انحرافهم بصيغة السؤال، ولكن أدبه يمنعه من ذلك، وهو لا يريد أنْ يدخل معهم في جدلٍ شكليّ لا طائل وراءه، فآثر أنْ يجيبهم كما ينبغي أنْ يكون المعلم المربي، ومن ثم أبان لهم عن ربه صفة البقرة المطلوبة: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} . إنها ليست عجوزًا ولا شابة. وسط بين هذا وذاك [2] .
ونلحظ هنا أنَّ موسى دائمًا يسند القول إلى الله عز وجل، وذلك لأنَّ هذا أدْعى لتحقق الاستجابة من طرفهم. وصيغة المضارع في (يقول) تدل على استحضار الصورة [3] .
(1) انظر: الآلوسي: روح المعاني، ج1، ص 286 .
(2) انظر: قطب، سيد: في ظلال القرآن، (بيروت/القاهرة: دار الشروق، ط11، 1405هـ/1985م) ، ج1، ص ص (77- 79) .
(3) انظر: الآلوسي: روح المعاني، ج1، ص 288 .