الصفحة 22 من 34

ثم يُعقِّب على هذا البيان الموجز بنصيحة آمرة، فيقول: {فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} ولقد كان هذا كفاية لمن يريد الالتزام. فقد وجههم نحو الأدب الواجب في السؤال والتلقي، وحثّهم على أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم متوسطة السن، فيخلِّصوا بها ذمتهم، وينفذوا بذبحها أمر ربهم، ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق.

ولكنهم راحوا يسألون مرة أخرى وبنفس الأسلوب: {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا} وهم هذه المرة يسألون عن لون البقرة، فجاءهم البيان التفصيلي: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} وهكذا ضيَّقوا على أنفسهم دائرة الاختيار. لقد كانوا في سعة من الأمر فأصبحوا مكلَّفين أنْ يبحثوا عن بقرة متوسطة العمر، لا هي عجوز و لا هي صغيرة، ثم لا بدَّ أنْ تكون صفراء، وأنْ تكون الصُفرة فيها فاقعة، ثم بعد هذا وذاك ليست هزيلة ولا شوهاء، بل تسرُّ الناظرين.

ولم يكتف بنو إسرائيل بهذا وكأنهم بتلكئهم يريدون أنْ يتحللوا من التكليف لكن بأسلوب التوائي خبيث. فمضوا في طريقهم يعقِّدون الأمور ويشددون على أنفسهم فشدد الله عليهم. وقد عادوا مرة أخرى يسألون عن الماهية ويعتذرون هذه المرة بأن الأمر مُشْكِل عليهم. {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} لأول مرة يقرنون السؤال بمشيئة الله، وكأنهم استشعروا لجاجتهم وأنَّ الموضوع قد أخذ أكثر مما يستحق، ولا فائدة من التلكؤ، ولن يعفيهم ذلك من التكليف.

وجاءهم الجواب بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة، فضاقت دائرة الاختيار المتاحة لهم، وكانوا في سعة منها وفي غنى عنها: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت