الصفحة 23 من 34

وتكاملت بذلك أوصاف البقرة ولا مجال للمزيد، فهي بقرة متوسطة العمر، صفراء فاقع لونها، فارهة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع، ولا بد مع ذلك أنْ تكون خالصة اللون لا عيب فيها ولا تشوبها علامة ما. فلم يكن بُدٌّ أنْ يقولوا: {الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} . وكأنَّ كل ما مضى لم يكن حقًا، أو أنهم لم يستبينوا أنَّ ما جاءهم به هو الحق إلا في هذه اللحظة.

وصيغة"الآن، بالمد، على الاستفهام التقريري، إشارة إلى استبطائه وانتظارهم له" [1] . {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [2] .

يتبين لنا من خلال هذه المحاورة، أنَّ موسى عليه السلام كان يجيب على تساؤلات قومه في أدب وحكمة، بينما يردون عليه بكل سخرية واستهزاء، ويتمادون في السؤال عن أشياء لا داعي لها. والحقيقة أنَّ سوء الأدب أمرٌ متأصِّل في الشخصية اليهودية، وهم أبعد الناس عن الأدب مع الله. ومَنْ لم يتأدب مع الله فكيف له أنْ يتأدب مع خَلْقِه؟

ثالثًا: أدب موسى -عليه السلام- في خطاب الخضر

يُمثِّل هذا النموذج حوارًا بين طرفين، أحدهما معلِّم وهو الخضر عليه السلام، والثاني متعلِّم وهو موسى عليه السلام. وقصة هذا الحوار وردت في سورة الكهف، في قوله تعالى:

(1) الآلوسي: روح المعاني، ج1، ص292.

(2) انظر تفسير آيات قصة البقرة في: قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج1، ص ص (77- 79) . ندا، محمد محمود: من القصص الحق، (مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م) ، ص ص (377- 380) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت