الصفحة 12 من 50

ويشير عبد الله بن المبارك إلى حاجتنا إلى الأدب بقوله: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم [1] . ويقول الإمام القرافي في كتابه «الفروق» وهو يتحدث عن موقع الأدب من العمل وبيان أنه مُقدَّم في الرتبة عليه:"واعلم أنّ قليلَ الأدب خير ٌمن كثير من العمل، ولذلك هلك إبليس وضاع أكثر عمله بقلَّة أدبه. وقال الرجل الصالح لابنه: اجعل عملك مِلحًا وأَدَبَك دقيقًا؛ أي ليكنْ استكثارُك من الأدب أكثر من استكثارك من العمل؛ لكثرة جدواه ونفاسة معناه" [2] .

وقيل في بيان فضل الأدب: أربعةٌ يسود بها العبد: العلم، والأدب، والفقه، والامانة [3] . وقيل: من كَثُرَ أدبُه شرُفَ وإنْ كان وضيعًا، وسادَ وإنْ كان غريبًا، وكثُرت الحاجة إليه وإنْ كان فقيرًا [4] .

وإنْ كان الأدب خُلُقًا عامًا يتناول كثيرًا من التصرفات والسلوكيات، إلا أنه أفضل ما يكون في الكلام. رُوي في ذلك عن عبد الملك بن مروان أنه قال:"ما الناسُ إلى شيءٍ مِنَ الأدب أحوجُ منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاودون الكلام، ويتعاطَوْن البيان، ويتهادَوْن الحكمة، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرّق منها، فإنّ الكلام قاضٍ يحكم بين الخصوم، وضياءٌ يجلو الظُلَم. حاجةُ الناسِ إلى موادّه حاجُتُهم إلى موادّ الأغذية" [5] .

ثانيًا: التصوّر القرآني لأدب التعامل مع الآخرين

(1) انظر: ابن القيم: مدارج السالكين، ج2، ص376.

(2) القرافي، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي: الفروق، مطبوع بهامشه تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، (بيروت: عالم الكتب) ، ج4، ص ص (272_ 273) .

(3) ابن منقذ، الأمير أسامة: لباب الآداب، تحقيق: أحمد محمد شاكر، (بيروت: دار الجيل، ط1، 1411هـ/1991م) ، ص229.

(4) المرجع السابق، ص233.

(5) ابن منقذ، الأمير أسامة: لباب الآداب، ص ص (228_ 229) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت