الناظر في أثر السخرية والتنابز بالألقاب على العلاقات الإنسانية، يجد أنَّ سُخرية الإنسان من أخيه الإنسان معول هدَّام يسعى حثيثًا في تخريب العلاقات الإنسانية، وتمزيق الأخوة الإيمانية شرَّ ممزَّق، حيث يستعلي المرء بماله أو حسبه أو جاهه، مفاخرة ومباهاة وتحقيرًا للآخرين، دون أن يُدرك إمكانية تفوِّقهم عليه بمواصفات لا تتوافر فيه، وهذه كلها أسلحة إبليس يضعها بين أيدي الخلائق ليفرِّق بينهم، وليزرع العداوة والبغضاء في قلوبهم.
ونَهى الله تعالى المؤمنين عن السخرية من الآخرين مهما كانت صفاتهم وأوضاعهم، فلعلَّ من يُسخَر منه ويُنظر إليه نظرة احتقار واستخفاف، خيرٌ وأحبُّ إلى الله من الساخر الذي يعتقد في نفسه الكمال، ويرمي أخاه بالنقص والعيب. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [1] . وقال تعالى: {ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [2] .
ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} فكيف يصحُّ هذا التعبير علمًا بأن الإنسان يلمز غيره لا نفسه؟ إنَّ في هذا التعبير القرآني تذكيرٌ للمؤمنين بأنهم وحدة متماسكة كنفس واحدة، فمن عاب غيره من المؤمنين، فكأنما يعيب نفسه. وفي هذا إشارة إلى مستوى العلاقة التي يجب أن تسود بين المسلمين. إنها الأخوَّة التي تجعل من الحفاظ على حقوق الأخ حفاظًا على حقوق النفس.
(1) سورة الحجرات: الآية 11.
(2) سورة الحجرات: الآية 11.