فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 26

ومع ديكارت يضحى التطابق صنيع الذات وليس نتيجة نظام العالم كما هو الشأن في التصور التقليدي للميتافيزيقا، فهذه الذات هي مصدر اليقين، ومنبع الوعي الذي يبسط هيمنته على الطبيعة والكون، ومن هنا يغدو تطابق الذات متماسكا، فهي تدرك العالم اعتمادا على"الأنا موجود". فهو المركزية التي لا شك في ثبوتها، ومع كانط ستبدأ مراجعة الكوجيطو الديكارتي المؤسس"للمثالية الاحتمالية"التي تدعي العجز عن إثبات وجود خارج وجودنا بتجربة مباشرة، ومرد تهافت هذه المثالية حسب كانط، هو كونها عقلانية ومطابقة لنمط تفكير فلسفي مدعم يمنع إصدار أي حكم حاسم قبل العثور على دليل كاف، وعلى الدليل المطلوب أن يبين إذن أن لدينا بالأشياء الخارجية لا محض تخيل بل تجربة، وهو أمر لا يمكن إثباته -كما يستخلص كانط- إلا بإثبات أن تجربتنا الباطنية، التي لا شك فيها عند ديكارت، ليست هي نفسها ممكنة، دون افتراض التجربة الخارجية. ومجرد الوعي بوجودنا الخاص، هذا الوعي المتعين امبريقيا، يبرهن على وجود الموضوعات في المكان خارجا عني، فالتجربة الباطنة ليست ممكنة إلا بالتجربة الخارجية بعامة. والحال كما يرى كانط أن الوعي في الزمان مرتبط ضرورة بوعي إمكان هذا التعين الزمني: فهو إذن يرتبط بالضرورة بوجود الأشياء خارجا عن الذات كشرط للتعين الزمني. ومعنى ذلك أن الوعي بالوجود الخاص وعي معا وهي مباشر بوجود الأشياء الخارجة عن الذات، وبالإضافة"إلى أن كل تعين زمني لا يمكن إدراكه إلا من خلال التبدل في العلاقات الخارجية (للحركة) بالنسبة إلى ما في المكان من دائم، وليس هناك قط من دائم يمكن وضعه باعتباره حدسا تحت مفهوم الجوهر سوى المادة فحسب. وهذا الدوام نفسه لا يستمد من التجربة الخارجية بل يفترض قبليا، عبر وجود الأشياء الخارجية كشرط ضروري لكل تعين زمني ومن ثم أيضا كتعين لحسنا الباطن بالنسبة إلى وجودنا الخاص".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت