وبلوغ نظام العالم، بوصفه تجسيدا للمبدإ الكلي إنما هي تأشير على نهاية البلاغة، وعلى لحظة اكتمال قصوى، والنهاية هنا بمعنى الغاية، وليس بمعنى الانتهاء والزوال. أي أن العلم المسمى بلاغيا قد استنفد فعاليته، فلم يعد يمارس تأثيرا خلاقا على الفنون الأدبية، لأن رؤى العالم الحديثة والمعاصرة قد قوضت مفهوم النظام، كما قوضت كثيرا من القوانين والمسلمات التي كانت تشكل الأساس الميتافيزيقي، وضمنها طبعا قانون التطابق بوصفه أساس الحقيقة في المنظور التقليدي، وسيترتب عن ذلك إلغاء الفكرة القائلة بوحدانية الحقيقة من جهة، وإبطال مفهوم العقل الإنساني المطلق من جهة أخرى. وسيضحى الحديث عن"فهم كلي ضربا من ضروب انعدام علاقات المنظور، وضربا من عدم الفهم بجوهر المعرفة"على حد تعبير نيتشه.
تقويض البلاغة:
1 ـ اللحظة الكنطية:
لعل أهم اللحظات الأساسية التي بدت من خلالها مفاهيم البلاغة معرضة للتقويض، هي تلك التي بدأ فيها مفهوم الذات في الظهور، خاصة مع ديكارت الذي اقترنت فلسفته بالكوجيطو، الذي يعلن ولادة"الأنا أفكر"باعتباره مصدر المعرفة بالعالم. وبذلك يتهاوى منطق العالم القديم الذي يعطي الأولوية لأصل ميتافيزيقي مفارق، هو مبعث الانتظام والمعرفة والأشياء، وأن وظيفة الكائن لا تعدو أن تكون محاكاة لنظام العالم. فمع ديكارت تصبح الذات سيدة العالم، وهي وحدها المسؤولة عن إصلاح نفسها، وهنا فبداية الحداثة تقترن في هذه اللحظة التي تحرر فيها الإنسان ليعود إلى ذاته، من حيث هو ذلك الكائن الذي يتمثل نفسه برده كل الأشياء نحو ذاته كحكم أعلى، ومعنى ذلك فإن"اسم الذات اتخذ معنى جديدا يغذو اسم العلم الذي يطلق على الإنسان، ويستلزم ذلك أن كل ماليس إنسانا فسيضحى مجرد موضوع يوضع أمام الذات".