وهذا المبدأ الكلي هو الذي يؤسس البلاغة لدى حازم كعلم كلي لأن"معرفة طرق التناسب في المسموعات والمفهومات لا يوصل إليها بعلم من علوم اللسان إلا بالعلم الكلي في ذلك، وهو علم البلاغة، الذي تندرج تحت تفاصيل كلياته ضروب التناسب والوضع، فيعرف حال ما خفيت به طرق الاعتبارات من ذلك بحال ما وضحت به طرق الاعتبار، وتوجد طرقهم في جميع ذلك تترامى إلى جهة واحدة من اعتياد ما يلائم واجتناب ما ينافر".
البلاغة من هذه الوجهة تضحى مديحا لنظام العالم، يصبو نحو بلوغ كمال العالم بواسطة القوانين الكلية لعلم البلاغة المستمدة، بل"المنشأة على أصول منطقية وآراء فلسفية"على حد تعبير حازم، و"الفلسفة بهذا المعنى تمنح علم البلاغة أساسا للشمول، وتجعل العلم جديرا بصفة الكلية ما دامت الفلسفة تعضده بتصوراتها"كما استخلص ذلك الدكتور جابر عصفور.
ولا شك أن هذه الرؤية نابعة من أصول الميتافيزيقا التي بنت تصورا للعالم قائما على النظام الكلي وعلى التسلسل والشكل، والجمال والحكمة، والعناية الإلهية. والعالم وفق هذا المنظور يمتلك تناسقا دقيقا ويشكل كلية أنطولوجية منتظمة العناصر. إن انتظامية العالم إذن غدت ذلك الشرط الأنطولوجي للحقيقة، كما هي شرط لإنتاج الكلام الذي تتحدد بلاغيته في بلوغ نظام العالم، وتحقيق التوافق والتلاؤم الشامل.