فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 26

هذا المفهوم البلاغي لاقتران المعاني يحمل تصورا منطقيا للنص، فالنص ليس بؤرة توتر حيوية، وليس فضاء للحرية لترك انفساح الوجود ليبدي انفتاحه عبر الكلام، كما أنه ليس عملية تفاعلية تنتج عبرها المعاني المتعددة. وإنما هو بناء تتحكم فيه الضرورة المنطقية التي تخضع المبدع إلى نهج مبدإ الملائمة البعيد عن أية محاولة لخرق النظام، وركوب التيه، ومغامرة الإبداع. يقول حازم:"كل قول قصد به محاكاة شيء، ونحى بذلك منحى من الأغراض، فإنه يجب ألا يتعرض فيه إلى ما هو أليق بمضاد الشيء المحاكى به، وأخص به أو أخص بمناسب مضاده، وألا يتعرض في تخييل حال الشيء المحاكى به إلى ما هو أخص بحال مضاد ذلك الشيء، أو مناسب مضاده، وألا يتعرض في القول وما دل عليه إلى ما هو أخص بمضاد الغرض الذي نحا به منحاه، أو إلى ما هو أخص بمناسب مضاد ذلك الغرض، وألا يتعرض فيه إلى لفظ له عرف فيما يضاد المعنى الذي دل عليه أو الغرض الذي نحا به منحاه أو الشيء الذي قصدت به محاكاته ولا إلى ما يناسب مضادات جميع ذلك، فإن التعرض في القول إلى ما يناسب تلك المضادات، أو إلى ما له عرف في شيء من ذلك، ضروب من التدافع".

فما يهيمن في هذه الرؤية البلاغية الصارمة هو مبدأ الاكتمال، الذي يجعل تصورات الموجود متساوقة والنظام الكلي للعالم. وهذا يعني أن الكائن في الوجود لا يمضي على نمط كينونته الخاصة، بقدر ما يخضع لنمط انتظام الكون، وبالتالي عليه ألا يكون ذاته بقدر ما هو حامل لصورة هذا النظام. وهنا فإن بلوغ كمال المعنى، ليس إلا تحقيقا لمبدإ اكتمال الكلام والنظام. هذا الاكتمال يحكمه التوافق والالتئام كشرط أساسي لعملية الخلق التي لا تتمثل إلا ضمن إعادة إنتاج التوافق والنظام.

وفق هذا المنظور فالبلاغة لا تعني سوى بلوغ النظام الشامل بوصفه نظام التناسب والاتفاق والالتئام. وهذا هو المبدأ الكلي الذي انتهجته البلاغة كاستعادة منطقية لنظام العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت