فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 26

تتجلى مركزية المعنى في البلاغة التقليدية -في تلاحمها الوثيق باللفظ- الذي يحدد ماهية الشيء، بل هو لحمته وسداه، ومن ثم تغدوالتسمية ماهية الشيء في ذاته، وليس الكيفية التي تسمى بها الأشياء، ومعنى هذا أن المهارة البلاغية إنما تستهدف الوصول إلى كمال المعنى. يقول حازم:"ولا يزال ذو المعرفة بتصاريف الكلام والدربة بتأليف النظام، يضع اللفظة موضع اللفظة، ويبدل صيغة مكان صيغة، حتى يتأتى له مراده، وينال من كمال المعنى بغيته".

ونحن هنا بإزاء رؤيا تقوم على مدح ميتافيزيقا المعنى المؤسسة لا لمبدإ المفاضلة وتأويل القيم، وإنما لمنطق التوافق والتناسب، وما يجسد ذلك هو أن تشاكل المعاني عند البلاغيين إنما هو قائم على مبدإ الاقتران المنطقي الذي استعارته من الميتافيزيقا. يقول حازم:"ويجب على من أراد حسن التصرف في المعاني بعد معرفة ضروبها التي أجملت ذكرها، أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض. ويقول: إنه قد يوجد لكل معنى من المعاني معنى أو معان تناسبه وتقاربه، ويوجد له أيضا معنى أو معان تناسبه". وخطورة هذا القول -حسب تعليق د.جابر عصفور- تكمن في كونه يفترض أن الشاعر يفكر في معانيه بطريقة منطقية، وهذا يعني أن"حازم"عندما دخل في منطقة التسليم بالترتيب الهندسي، متأثرا بمفاهيم سابقة عليه، فإنه لا يستطيع إلا أن يتوسل بأصول منطقية خالصة. وبذلك نسمع حديثه عن اقتران المعاني على أساس التماثل والمناسبة، كما نسمع عن اقتران المعاني على أساس المضادة والمخالفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت