فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 26

وهنا نستخلص مع هيدغر بأن الحقيقة في المنظور الميتافيزيقي"تكمن في توافق منطوق مع شيء ما". هذا التوافق يستلزم استبعاد الخطإ، بوصفه تدميرا للتلازم بين اللفظ ومعناه، وابتعادا كليا عن الحقيقة، ومن ثم فمفهوم البلاغة متصل بـ"الاحتراز عن الخطإ في تأدية المعنى المراد، وتمييز الكلام الفصيح عن غيره من خلال علوم ثلاثة (تتفرع عن البلاغة) ، هي: المعاني الذي يعرف به أحوال اللفظ في مطابقته لمقتضى الحال، والبيان الذي يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الأدلة عليه، والبديع الذي يعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية تطبيق على مقتضى الحال ووضوح الدلالة". لقد استبعد الخطأ لأنه ينخر بنية التطابق، ويجعل من التلاؤم واقعا متنافرا، ومن المعرفة فسادا.

وهذه الرؤية ليست إلا طريقة سطحية جدا في التيه على حد تعبير هيدغر، ذلك لأن التيه بمعنى عميق هو"مسرح الخطإ وأساسه". فهو إذ يسيطر على الإنسان فإنه يدفعه نحو الضلال، فيسهم بذلك في إيجاد الإمكانية التي يستطيع الإنسان استخراجها من وجوده المنفتح". وفق هذا التصور اللابلاغي يغدو الخطأ داخلا في صلب الوجود، وشرطا ملازما للمعرفة، ومن هنا فليست الحقيقة سوى مجموعة حية من الاستعارات والمجازات، وليست الحقائق سوى أوهام نسينا أنها كذلك كما يرى نيتشه (15) ."

وإذا عدنا إلى التعريف السالف للبلاغة نجد أن مدار الحقيقة، بوصفها تطابقا، يتمركز حول المعنى الأصل الذي يتوخى تجليته وبيانه وإفهامه، ومن هنا يقصى الكائن البلاغي عن أية إمكانية في إنتاج المعنى، وفي اختراق الفروع بما هي عناصر لاستكشاف التعدد التأويلي للغة. وفق هذا البناء تصبح عملية البلاغة قائمة على التماهي التام بين التلفظ والمعنى، بين الكلام ومقتضى الحال، ودلالة الاقتضاء التي تم التشديد عليها في تعريف البلاغة تحيل إلى الحضور ومثول المعنى، والحال هو الهيئة التي تحدد مدلول موجودية المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت