"البلاغة هي مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك". وتصنف البلاغة حسب ابن خلدون ضمن علم البيان الذي"يبحث فيه عن هذه الهيئات والأحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال". ومعنى هذا أن البلاغة شأنها شأن الميتافزيقا قبل أن تهتم بجمالية التعبير، وبالكيفية التي تقدم بها الصور الفنية ذاتها في معرض الكلام، فإنها أولت الاهتمام للحقيقة، فهي تتمظهر كبيان لإعلاء المعنى وكشفه، وإيضاح قوة التطابق بين اللفظ ومقتضيات الحال، وهي لا تنفتح على الاستعارة إلا بوصفها دليلا على التشابه لا الاختلاف، وليس التشبيه في البلاغة إلا قياسا للفرع على الأصل. والطباق ذاته ليس إلا لعبة للتطابق، مادام الاختلاف بينهما خارجيا فقط، فالشيء لا يخالف الآخر في ذاته، بل إن كلا منهما مطابق لذاته.
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن البلاغة أسست منظورها للعالم على أساس الميتافيزيقا، فالبلاغة هي بيان الحقيقة لا كتعدد وإنما كتجل للتطابق والمثول."فالحقيقي سواء كان شيئا أو حكما هو ما يتوافق ويتطابق. أن يكون الشيء حقيقيا والحقيقة يعنيان هنا التوافق، وذلك بطريقة مزدوجة: أولا كتطابق بين الشيء وما نتصوره عنه، ثم كتطابق بين ما يدل عليه الملفوظ وبين الشيء. هذه الخاصية المزدوجة للتوافق تظهر التعريف التقليدي لماهية الحقيقة: الحقيقة هي تطابق الشيء مع العقل. فقد يعني ذلك: الحقيقة هي تطابق الشيء مع المعرفة. كما يمكن أن يفهم أيضا على الوجه التالي: الحقيقة هي تطابق المعرفة مع الشيء".