إن اللغة وفق هذا المنظور لا تغدو إلا وسيلة لحصر المعنى الثاوي، وتحديده، وفهمه وإفهامه حتى يضحى منكشفا كحقيقة مرئية يطابق من خلالها اللفظ معناه. وهنا يظهر التأثير الميتافيزيقي على البلاغة العربية، التي تأسست كفكر لغوي يهدف إلى كشف تطابق اللفظ والمعنى الثاوي، الخفي، الذي تجتهد العبارة لملاحقته وضبطه، وإرجاعه متمثلا حاضرا. إن ما يهيمن في هذه الرؤية هو منطق الهوية، ألسنا هنا بإزاء التعريف الأحادي الذي يعطينا ماهية الأشياء وحقيقتها؟ يعلق نيتشه على ذلك فيقول:"إن فلاسفة الميتافيزيقا قد ساهموا في ترسيخ هذا الغموض، عندما ارتأوا أن الدلائل والمعاني هي الواقع الفعلي الذي لا يلحقه التغير، والذي يقبله الجميع. هذا في حين أن الفكر عندما يدرك شيئا يستعرض سلسلة من العلامات والدلائل التي تقدمها له الذاكرة، فيبحث عما يتجانس ويتماثل. وأن الإنسان عندما يطلق دليلا مماثلا على شيء ما يعتقد أنه تملك ذلك الشيء وأخضعه وأنه تمكن من معناه ... إن الكلمات التي تستعملها اللغة البشرية قد ظهرت دوما لا كعلامات ودلائل، وإنما كحقائق تتعلق بالأشياء التي تشير إليها".
ولعل أهم ما يوجه البلاغة الكلاسيكية هو البحث عن المتجانس، إنها بما هي فكر للتطابق فهي تؤسس للتوافق بين اللفظ والمعنى، بين الدال والمدلول المحدد. ويظهر أن البلاغة هي الوجه الخلفي للميتافيزيقا. فهي لا تكتفي باستعارة مقولاتها فقط بل إنها تتموقع على أرضية الميتافيزيقا ومن هنا تغدو مراجعة المفاهيم البلاغية أساسية، قصد تحرير الفكر الإبداعي من عوائق إعادة تأسيس استطيقا بعدية تعلي من شأن الاختلاف والإرجاء والفوارق، فيما تتجاوز منطق الائتلاف والتوافق الذي أرست عليه البلاغة القديمة قواعدها. فأضحت بذلك تكرس لمفهوم الأصل والمعنى الواحد الذي يمتنع عن المفاضلة والتعدد، وهذا هو التحديد الذي وضعه ابن خلدون في مقدمته للبلاغة قائلا: