ووفق هذا المنظور فإن الكلام هو المجال التداولي الذي يحقق حضور المعاني، ومن ثم فهو ليس إلا وسيلة للإخبار والاستعمال، وليس مجالا لإنتاج المعاني وتوليدها. ذلك لأن هذه المعاني تبقى واحدة بالنسبة للجميع، فهي موجودة مسبقا في الطريق، ولكن العبرة في التقنية التي يمارسها الكلام لإخراج المعاني المطروحة التي لا يلحقها تغيير لأنها عامة،"فالمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي والمدني وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك". وليس المقصود من قول الجاحظ هنا -كما حاول البعض فهمه معزولا عن السياق العام- إعطاء الأولوية للفظ على المعنى، وإنما إظهار قدرة البلاغة في الكشف والبيان والتبيلغ، و"كلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور كانت أنفع وأنجع"والبلاغة من هذا المنظور إنما هي"تحبير اللفظ في حسن الإفهام"على حد تعبير الجاحظ.
إن البلاغة لا تغدو هنا سوى الحامل للمعنى على الظهور والإبانة أي على الحضور والمثول. ومن ثم فوظيفتها هي الكشف بوصفها ركنا أساسيا للبيان.
والبيان حسب الجاحظ هو اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري إليها القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع.