فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 26

"أما ما قد تكون عليه الموضوعات في ذاتها، وبمعزل عن قدرة تلقي حساسيتنا، فهو ما سيظل مجهولا تماما بالنسبة لنا، فنحن لا نعرف سوى نمط إدراكها، وهو نمط خاص بنا". فالمكان والزمان مثلا هما صورتا نمطنا المحضتان، والإحساس عامة هو مادته، ويمكن معرفتهما قبليا قبل تحقق أي إدراك. ولذا فهما يحملان اسم الحدس المحض، أما الإحساس فهو مافي معرفتنا يجعلها تسمى معرفة بعدية أي حدسا أمبيريا!.

ومن ثم فإن ما يعرفه الكائن ليس سوى نمط حدسه أي حساسيته الخاضعة لشرطي الزمان والمكان الملازمين أصلا للذات، بينما يبقى مجهولا التوصل إلى معرفة الأشياء في ذاتها، بل ما يعرف هو ظاهر الأشياء، ونمط تأثر الذات به بوصفه حساسية،"فالقوام الذاتي نفسه بالضبط هو ما يعين صورة الموضوع كظاهرة". وهذا ما يعني أن الظاهرات يمكن أن يقال عنها أشياء متعددة مرتبطة بصورتها ولكن لا يمكن أن يقال أي شيء عن"الشيء في ذاته"الذي يؤسس هذه الظاهرات التي لا توجد بذاتها، والتي هي تصورات عن أشياء لا نعرف ما قد تكون عليه في ذاته، ومن ثم فالظاهرة Phenomene والشيء في ذاته Noumene مرتبطان، ولكن ارتباطهما ليس سببيا، وإنما تمليه الضرورة العلائقية، وهذا يعني أن الكائن في ذاته يتطابق مع ظهوره: فهو آخرية غيرية لكلية ظهوره.

وإذن فالاختلاف بين الشيء"في ذاته"والظاهرة هو ذو سمة ذاتية:"إنه يؤشر لعلاقة مختلفة ليتمثل الموضوع". ومن وجهة نظر فنية"فواقع الأشياء هو أثر الأشياء بينما ظهور الأشياء هو أثر الإنسان"كما يقول شيلر Schiller مستلهما الكانطية النقدية. وقد كان لهذه الرؤية أثرها العميق في إحداث انقلاب في الفكر البلاغي الكلاسيكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت