وهذا التحليل الجذري سيعطي للشعر بعدا خلاقا وحيويا، ومن ثم فكانط يضعه كنقيض للفصاحة،"أو للبيان والبلاغة"التي لا تقوم على اللعب الحر للمخيلة بقدر تؤسس من خلال العقل تصوراتها. أما في الشعر فهو يعطي قوانينه الخاصة النابعة من المخيلة التي ليست هي استرجاعية،وإنما إنتاجية من حيث أن تأليفها هو عمل من أعمال التلقائية، يعين وليس يتعين فحسب كما هو الحس، وحيث أن بإمكانها من ثم أن تعين قبليا الحس لجهة صورته بموجب وحدة الإبصار. إذن فالمخيلة هي القدرة على تحديد الحساسية قبليا، وتأليفها للحدوس وفقا للمقولات يدعى تأليف المخيلة الترنسندالي. إن المخيلة حسب هذا الطرح تدخل بالضرورة في الإدراك نفسه لأنها ملكة فعالة بما هي تركيب للمتنوع، وعمل هذه الملكة إذ يسري على المدركات مباشرة، يحصل الفهم، ومعنى هذا أن المخيلة تؤلف من متنوع الحدس"صورة"ما وتتلقى بالمقابل الارتسامات -ضمن هذه الفعالية- المولدة للفهم.
وإذن فالمخيلة هي الملكة الأساسية للروح الإنسانية، بواسطتها يتمكن الكائن من ربط متنوع الحدس مع شرط الوحدة الضرورية للإدراك المحض، ومعنى هذا أن الحساسية والفاهمة سيغدوان مرتبطان بواسطة توسط الوظيفة المتعالية للمخيلة، بما أنهما معا ينتجان بلا شك ظواهر، وليس مواضيع معرفة امبيرية.
وكما أشرنا فالظواهر كما يراها كانط ليست أشياء في ذاتها، ولكنها بتعبير أدق هي"مجرد لعبة لتمثلاتنا التي ترجع في النهاية إلى محددات الإحساس الداخلي."