فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 26

مع كانط يتأسس العالم كظاهرة على الذات، وهو ما يجعله منخرطا في عملية يتطابق فيها مفهوم الكينونة مع تصورات الذات. وفي هذا الإخضاع نسف للأسس التقليدية للميتافيزيقا من جهة، وللتصور البلاغي من جهة أخرى، هذا التصور الذي اعتمد مقولة"مطابقة اللفظ للمعنى"من جميع وجوهه. وهذا مؤشر أساسي على تجاوز البلاغة القديمة التي عدت مع كانط عديمة الجدوى، هذا التجاوز الذي تزامن مع ظهور علم الجمال"الاستيطيقا"، والذي كان لكانط دور أساسي في صياغة أسسه الفلسفية. كما كان له دور هام في التأثير على حركة الرومنتيكيين الذين جعلوا من الذات محورا منه يستمد العالم تمظهراته، ومن هنا فلم تعد وظيفة المبدع محاكاة هذا العالم، من خلال التعبير البليغ عن أشيائه ووقائعه، وإتقان لغة التطابق بين اللفظ والمعنى الأصل. بل على العكس من ذلك غدا العالم خاضعا لرؤيا الذات المتخيلة. ومن ثم فالذات هي التي تنتج صور العالم التي لن تتوافق بالضرورة مع العالم ذاته، بقدر ما تكون معبرة عن الحقيقة الباطنية بما هي نتاج التجربة الذاتية التي تحدس الوجود وتستكنهه وفقا لمنطق مغاير تتطابق فيه الذات مع متخيلها وحدوساتها، وهو ما أعطى إعادة تصور جديد تقوم فيه المفارقة كشكل أرقى للفكرة حيث تتوحد فيها الأضداد."والقدرة الشعرية من هذه الوجهة كفيلة بالتفكير فيما هو متناقض بالعمل على مزجه وتوحيده"، وهذه القدرة هي تعبير جوهري عن"الفن بما هو مزج مطلق أو تأويل متبادل للحرية والضرورة، فالضرورة والحرية مرتبطتان مثل الشعور واللاشعور"على حد تعبير شيلنج.

هذه الرؤية المتجددة التي ساهمت الفلسفة الكنطية في ترسيخها كانت بمثابة الإعلان الفلسفي الجديد المسؤول عن اختفاء البلاغة وانطلاقة متحررة للفن التعبيري، وهذا ما حدا بالشاعر الرومنتيكي فيكتور هوجو إلى إعلان الحرب على البلاغة باسم المساواة قائلا:

"لا مجال بعد الآن لكلمات ترقد في حضنها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت