فهرس الكتاب
وأمام لقمان وهو يَعِظُ ولده تأتي وصية من الله عزّ وجلّ تعترض سياق تلك الموعظة لتلقي بضوء على طبيعة العلاقة بين الولد والوالدين، لنقول لكل ولد يمر بهذه الموعظة: عليك أن لا تنسى حق والديك، فإذا كان من حق الولد على الوالد أن يحسن تربيته ويتبين له سبيل الحق، فللوالدين عليه حقو ، وإن كانا على غير ملة الهدى، فأمه حملته وهنًا على وهن، وذاقت الآلام بين حمل ورضاع في عامين لا تعادلهما الأعوام التي يقضيها في محاولة البر وسداد الدين.
ثم نتابع بعد هذا الاعتراض الذي يكشف حقّ الوالدين على الوالد لنستمع إلى الحكمة التي تنثال من فم لقمان الحكيم لابنه. فقد لفت لقمان ابنه إلى صفة من صفات الله جلّ جلّاله، صفة تثير في النفس مشاعر الرقابة وتوقظها على حقيقة تغفل عنها، هي صفة علم الخالق القدير، واستخدم لقمان الحكيم في الدلالة على علم الله عزّ وجلّ أسلوبا تصويريا يناسب عقلية الولد .. فضرب لابنه مثلا بأصغر ما كان متصورا له: حَبَة الخردل المخبوءة في صخرة صماء أو مختفية في آفاق السماء التي تبدو للعين هائلة الاتساع بعيدة الآماد تكل العيون من البحث في جنباتها، أو تكون هذه الحبة مستترة في تراب الأرض في فج من فجاجها، أو سفح من جبالها، تلك الحبة الصغيرة أينما تكون يعلم الله مكانها . يقول تباركت أسماؤه في سورة لقمان /16:"يا بني إنها إن تك مثقال من حبة خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير".
بعد تمهيد لقمان الحكيم لابنه بخالقه وبعض صفاته مهدّ السبيل في قلبه لتلقي التي يعرف لمن يتوجه بها بالقول الحكيم في سورة لقمان /17:"يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر والصبر على ما أصابك إن ذلك من عزّم الأمور".