فهرس الكتاب
وبين اقتراح الملأ وفرعون ووسط الجوّ العدواني انطلق صوت غريب غير متوقع، صوت عارض القتل ودعا قومه إلى التبصر والتدبر، وقد انقشعت عن عينيه غشاوة الزيف وأُبهة الملك ، وحجاب الترف. وأي إيمان كان يملك بين جنبيه وهو يخاطر بحياته حيث وقف في وجه تيار القتل، بدعوة الملأ إلى الإيمان. إنّه موقف لا يمل المرء من تكرار النظر فيه وإنها شخصية لا ينقضي العجب من روعتها للوصول صوب الهدف من منافذ شتى، بقوله تعالى في سورة غافر /28- 29:"وقال رجلّ مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم. وإن كان كاذبًا فعليه كذبُهُ وإن يكُ صادقًا يُصِبكم بعضُ الذي يَعِدُكم. إنّ الله لا يهدي مَنْ هو مسرفٌ كذابٌ. يا قوم لكم المُلك اليومَ ظاهرينَ في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا . قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكُم إلاّ سبيلَ الرَّشادِ".
إنّ التعقيب الفرعوني لا يقطع التدفق الإيماني الذي انطلق به لسان المؤمن وقد انكشف إيمانه بعد طول كتمان، فالمؤمن من آل فرعون في سياق الآيات يحمل روحه على كفه، وقد كان وقت الدعوة إلى الحق بعد أن تميز الحق من الباطل وانكشف الزيف وماله لا يفعل ذلك وقد رأى المؤمن السحرة يخرون ساجدين قائلين:"آمنا برب هارون وموسى".