ولذلك لا يوجد في كلامه عليه الصلاة والسلام شيء من الصناعة اللفظية المتكلفة، وإنما كان يتكلم عن روية وسلاسة طبع.
وحتى ما جاء في حديثه من السجع، فهو سجع بالغ السلاسة والعذوبة، ليس فيه خشونة الصناعة، بل ينسج على منوال الفواصل القرآنية، ويهتدي بضيائها، مع الفرق بين الكلامين كما سبق بيانه.
6-الخلوص من العيوب البلاغية:
كلامه عليه الصلاة والسلام مبرأ من الهنات البيانية التي لا يكاد يسلم منها متكلم. وإنك مهما استطعت، فلن تستطيع أن تجد في كلامه هجنة أو ضعفا؛ ومهما قدرت، فلن تقدر على أن تستخرج منه ركاكة أو إسفافا.
وقد ترفّع كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن جفاء البداوة وغلظتها، وعن ضعف الحضارة وركاكتها. مع كونه أمسك من الأولى بأزمة جزالتها وفصاحتها، وغشي من الثانية بسرابيل رقتها وسجاحتها.
فجاء كلاما جزلا في رقة، ومتينا في عذوبة، وقويا في لطف وبهاء.
7-السبق إلى بعض التراكيب:
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من البيان والفصاحة بهذا المحل الأسمى، الذي وصفته لك فيما سبق من الكلام، فليس بمستبعد أن يسبق أرباب البلاغة إلى تعبيرات لم يجارَ فيها، ولا تهيأ لغيره أن يحاكيها.
فمما تفرد بالسبق إليه:
-قوله صلى الله عليه وسلم: (حمي الوطيس ) ) [1] (، أي: اشتدت الحرب.
-وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) ) [2] (.
-وقوله أيضا: (الحرب خدعة ) ) [3] (.
وقد أفرد الخفاجي هذا الباب بالتأليف، على ما ذكر في شرح الشفا.
فهذا التفرد والسبق، مساهمة من النبي صلى الله عليه وسلم في الوضع اللغوي، بشقيه الإفرادي والتركيبي، وبلونيه الحقيقي والمجازي.
ومن أحق بذلك من سيد الفصحاء - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم؟
وبعد، فهذا جهد المقل في وصف هذه البلاغة النبوية التي بذت فصحاء العرب!
(1) 39- ... أخرجه مسلم.
(2) 40- ... أخرجه البخاري ومسلم.
(3) 41- ... أخرجه الشيخان.