الصفحة 19 من 21

وتأمل في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ) ) [1] (.

ألست تجد وقع هذه الألفاظ وهي تدغدغ سمعك، وتلامس شغاف قلبك، مع إيغالها برفق في وضوح المعنى، وسلاسة التركيب؟.

4-موافقة مراد المخاطب:

ويسوقنا الكلام في الأصل السابق سوقا حثيثا، فيسلمنا إلى عرض أصل آخر عظيم الخطر، وهو أن الكلام النبوي كان يتأقلم مع أحوال المخاطبين به، مع الاحتفاظ بالأصول الثابتة الأخرى.

فهو إذ يخاطب ملكا من ملوك الأرض، تجده يقول: (سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ) ) [2] (.

وحين يخاطب بعض أطفال المسلمين يقول: (يا أبا عمير ما فعل النغير ) ) [3] (.

فتدبر ما في الحديث الأول من الفخامة والجزالة، حتى لكأن كلماته صواعق منزلة، تقرع رأس عظيم الروم؛ وما في ألفاظ الحديث الثاني من الرقة والحنان، حتى لكأنها تطرب فؤادك بعذوبتها.

هذا، وقد ذكر بعض الأفاضل في هذا الباب، كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر: (إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب، الحديث) ، وكتابه إلى همدان: (إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها، الحديث) ، وقوله لبني نهد: (اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها، الحديث) ، ونحو ذلك.

وقد ضربت صفحا عن ذكر هذه الكتب والأحاديث، لأنها لا تصح من جهة الإسناد) [4] (.

5-عدم التكلف:

وهذا الأصل متفرع عن مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه البيان للنص القرآني، والإرشاد إلى خيري الدنيا والآخرة. وهذان الأمران لا يجتمعان مع التشدق والتفاصح.

(1) 35- ... حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما.

(2) 36- ... أخرجه البخاري ومسلم.

(3) 37- ... أخرجه الشيخان.

(4) 38- ... راجع تخريجها في التعليقات على كتاب الشفا للقاضي عياض، كمناهل الصفا للسيوطي مثلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت