وفي الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمثلة على هذا الأصل، الشيء الكثير. وأنا مكتف - على رغبة مني في البسط جامحة - باستعاذته صلى الله عليه وسلم من العجز والكسل، والجبن والهرم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات) [1] (.
قال ابن القيم:
(فجمع هذا الحديث الشريف في استعاذته صلى الله عليه وسلم أصول الشر وفروعه ومباديه وغاياته وموارده ومصادره وهو مشتمل على ثمان خصال كل خصلتين منها قرينتان ) ) [2] (.
وقس على هذا الدعاء غيره، فتدبره وأنعم النظر فيه، تر عجبا.
3-نصاعة الألفاظ:
ألفاظُ الحديث النبوي واضحة لكل أحد، خالصة من كل بشاعة، مبرأة من كل عيب وهجنة. اجتمع فيها ما أوردناه آنفا من شروط الفصاحة في المفرد، وزادت على ذلك، حتى استوت على عرش البيان، وتبوأت من البلاغة المحل الأسمى.
ولا يشكل على ما قررنا، بعض ما يورده أهل الغريب من الألفاظ الوحشية المستعصية على الفهم، وذلك لأن كثيرا من هذه الألفاظ لم تصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما وردت في الأحاديث المرفوعة المروية في كتب السنة بالإسناد، فتتبعها أهل الغريب بالشرح البيان، ولم يتكلفوا عناء التثبت من صحتها، إذ لم يكن ذلك من مرامهم.
وقسم آخر من هذه الألفاظ الصعبة، تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بها، بسبب من اختلاف أحوال المخاطبين. فقد كان منهم أعراب موغلون في البداوة، وأصحاب منعمون في رقة الحضارة، وكان منهم ملوك وسوقة، وصغار وكبار، ونساء ورجال. فخاطب كل طائفة من هؤلاء بما يوافق حاله.
وهل البلاغة إلا مراعاة حال المخاطَب، لتحصل أعلى درجات الإفهام؟
لكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج قط عن انتقاء الحر من اللفظ، الذي يتقبله السمع، ويستسيغه الذوق.
(1) 33- ... أخرجه البخاري ومسلم.
(2) 34- ... راجع تمام كلامه في زاد المعاد: (2/325) .