وغيرها من مثل هذه الأحاديث القصار التي تخرج مخرج الحكمة الشاردة، والمثل السائر، والقاعدة العامة الشاملة لما لا يحصى من المفردات، كثير جدا في دواوين السنة النبوية) [1] (.
2-استيفاء المعنى:
وإذا كان الإيجاز مطلبا بلاغيا ساميا، فإن تقصده كثيرا ما يفضي بأرباب الأدب والفصاحة، إلى لون من النقص والاضطراب، يخرج به الكلام سقيما مخَدجا.
وأما في كلام سيد الفصحاء - صلى الله عليه وسلم - فإن الإيجاز ليس مخلا بالمعنى، وإنما هو ضرب من البراعة اللفظية، يكتمل رُواؤه باستيفاء المعنى المراد، حتى يخرج الكلام حسن التركيب والمظهر، تام المضمون والمخبر.
وهذا أصل عظيم جدا، هو لب البيان النبوي، المعصوم من التقصير في الهداية والإرشاد. ولولاه لما كانت السنة النبوية الشريفة بهذه المثابة في تقرير الشرائع، وتحرير القواعد، ووضع الأصول والضوابط.
ومن المثال على ذلك:
-قول النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ) [2] (. وأنت لو شئت أن تبدل في هذه الكلمات المتناسقة، بزيادة أو نقص، لتكميل المعنى أو بسطه، لما تأتى لك ذلك إلا بحيث تخرج من حدود البيان العربي البليغ، إلى نوع من الثرثرة الممقوتة. فالمعنى - كما ترى - كامل منسجم، واللفظ ناصع منورق، مستو في فصاحته، لا عوج فيه ولا أمت.
-وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ) [3] (: تأصيل عظيم لباب من أبواب الشرع جليل. ولست ترى فيه - على وجازته وحذف فضوله - نقصا في المعنى المقصود.
(1) 30- ... لكن قد يرد على بعضها شيء مما ذكرنا آنفا من قضيتي الثبوت، والرواية بالمعنى. ولذلك لم أذكر منها إلا ما سلم منهما.
(2) 31- ... أخرجه الشيخان.
(3) 32- ... أخرجه مسلم وغيره.