وأنا الآن ساردٌ لك، جُملا من الأصول والأركان، يقوم عليها صرح البلاغة النبوية. ولست أزعم لنفسي أنني محيط بتلك الأصول إحصاء وعَدا، ولا أنني مستوف بحث ما سأذكره منها. ولكن حسبي من الدلالة ما أبان أوائل الطرُق، ويكفيني من در القلادة ما أحاط بالعنق.
1-القصد والإيجاز:
ومعناه أن تجتمع المعاني الكثيرة المقصودة من الكلام في الألفاظ القليلة، التي تقل عن العدد المتعارف عليه بين الناس في عادات خطابهم.
وهو من معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (بعثت بجوامع الكلم) ، وقد سبق إيراده.
وقد سلم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم - بهذا القصد والإيجاز - من الانتشار المفضي إلى العي والخطل، ومن الإطناب المؤدي بالسامع إلى السآمة والملل.
وإنك مهما قلّبت وجوه النظر في كلام البلغاء في تصاريف كلامهم، فلن تجد فيهم من يسلم من اللجإ إلى فنون من الإطناب والإطالة، وتشقيق الكلام، يستعين بها على بسط ما يبثه من المعنى.
ولن تجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك شيئا. وإنما هو القصد الذي يحير الألباب، ويبهر العقول.
وتأمل قوله عليه الصلاة والسلام، على سبيل المثال: (إنما الأعمال بالنيات ) ) [1] (. ستجد في هذه الكلمات الثلاثة المختصرة في هذا التركيب اللطيف، ألوانا من العلوم، وأصنافا من المعاني) [2] (، يحار أهل الفهوم في استنباطها.
ومثله في الوجازة والجمع، أحاديث أخرى كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام:
-الدين النصيحة) [3] (.
-الحلال بين، والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات.
-إنما الصبر عند الصدمة الأولى.
-المرء مع من أحب.
-الناس معادن.
-الظلم ظلمات يوم القيامة) [4] (.
(1) 26- ... أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
(2) 27- ... تجدها منثورة في كتب شروح الحديث، وقد جمع السيوطي شيئا منها في كتاب: (منتهى الآمال بشرح حديث إنما الأعمال) .
(3) 28- ... أخرجه مسلم وغيره.
(4) 29- ... الأحاديث الخمسة سابقة ثابتة عند الشيخين، وغيرهما.