الصفحة 15 من 21

وقد كانت حليمة السعدية من أوسطهم؛ والرضاع مؤثر في الطباع، كما قد قيل) [1] (. ولم يختلط عليه الصلاة والسلام طول حياته الشريفة بقوم خارجين عن حدود رفعة البيان.

وإذ قد اجتمع له صلى الله عليه وسلم أفضل ما ينشأ في كنفه فصيح قط، فلا جرم أن اعتلى سماك البيان اللغوي، وأتى منه بأفضل ما يطيقه إنسان.

? وثانيها قلبه النقي التقي، المتجذر في الصفاء، والمتغلغل في الطهر. وهو قلب متصل بالله عز وجل، ينبض بأشرف المعاني، وأزكى الفكَر، فلا يزال يبعثها أرسالا بهية، إلى ذاك اللسان الفصيح، ليترجمها كلاما منمقا بديعا.

? وثالثها عقل ذكي متوقد، وذهن حاد متوهج، وبصيرة نفاذة إلى بواطن الأمور. فلا يمر على خاطره إلا معنى جليل قد امتلك ناصية الصحة، وترفع عن سفساف الأفكار.

? ورابعها لسان صقلته روائع البيان القرآني، فصار ذربا بأنصع الألفاظ، وأرشق التراكيب، وأحكم المعاني. وأعظِم بلسان يُدارس جبريل عليه السلام عجائب آيات التنزيل، ونفائس القرآن الكريم.

? والخامس تأييد إلهي محكم، يعصمه من العيوب التي لا يخلو من الوقوع فيها غيره من الفصحاء. فتجد كلامه متناسقا في سموه، متوازيا في عليائه، لا ينزل في لحظة ما عن أعالي رتب البيان. وهذا لا يكون إلا بمدد من الوحي.

ولذلك صح أن أزعم بثقة وثبات، أن البلاغة النبوية - رغم قصورها عن درجة الإعجاز القرآني - ليست متمحضة في الإنسانية، بل هي قبس من الوحي الإلهي.

أصول البلاغة النبوية:

ذكرت فيما سبق من الكلام، مباحث نافعة، قاربتُ فيها شيئا من التأصيل المجمل لفن البلاغة النبوية، وذلك بقدر ما تتسع له صفحات هذا المقال المختصر.

(1) 25- ... راجع نسيم الرياض للخفاجي (2/131) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت