والوجه السادس: وهو الذي ينبغي أن يكون قبل الوجوه السابقة كلها، وينبغي أن يكون بعدها كذلك. وهي بينة إثبات أَكِل أمر الشهادة بها للذوق العربي السليم.
إن القارئ لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يجد من حلاوتها في نفسه، ما تصغر معه كل حلاوة أدركها طول عمره؛ ومِن نورها في قلبه، ما تنشرح له أرجاء صدره.
ومهما زدت من القراءة، وأكثرت من النظر في تلك الأحاديث، فإنك لن تجد في ذهنك ذرة من الملل أو السآمة، وإنما هو نور آخذ بحجزة نور، وضياء يتلوه ضياء.
ولن تجد - في غير القرآن والحديث - هذه الخاصية العجيبة في شيء من الكلام، كائنا من كان مبدعه.
سر البلاغة النبوية:
وإذ قد برهنا على بلوغ الكلام النبوي أعلى مراتب الفصاحة، فلنا أن نسأل عن سر هذه البلاغة النبوية؟
والحق، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اجتمعت فيه خلال كثيرة، ثقّفت لسانه، وزينت بيانه، وجعلته تاج الفصحاء، وسيد البلغاء.
? وأول هذه الخلال نسبه الكريم. فإن قبيلتَه قريشا كانوا أفصح العرب لسانا، وأرقهم لفظا، وأبعدهم عن تلك اللهجات الرديئة التي وصمت غيرهم من قبائل العرب) [1] (. وقد نشأ النبي عليه الصلاة والسلام في بني سعد بن بكر) [2] (، وهم من أكرم العرب وأفصحهم، مع كونهم أهل بداوة رقيقة الحواشي، ليس فيها من جلافة الأعراب ما يكدر صفوها.
(1) 23- ... في الكامل والعقد الفريد وغيرها من كتب الأدب: (قال مُعاوية يومًا لجلسائه: أيّ الناس أفصح؟ فقال رجلٌ من السِّماط: يا أميرَ المؤمنين، قوم قد ارتفعوا عن فراتية العراق، وتياسَرُوا عن كَشْكشة بكر، وتيامَنُوا عن: شَنْشَنة تَغْلب، ليس فيهم غَمْغمة قُضاعة، ولا طمطمانيّة حِمْير. قال: مَن هم؟ قال: قومُك يا أميرَ المؤمنين قُريش) .
(2) 24- ... وقد ورد هذا المعنى في حديث سبق ذكره، لكنه غير ثابت.