قال محمَّد بن سلام: قال يونس بن حبيب: (ما جاءنا عن أحدٍ من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم) .
.. ولعلّ بعضَ من يتَّسِع في العلم، ولم يعرفْ مقاديرَ الكَلِم، يظُنّ أنّا قد تكلّفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلُغه قدْرُه، كَلاَّ والذي حَرَّمَ التزيُّدَ على العلماء، وقبَّح التكلّف عند الحكماء، وبَهْرَجَ الكذَّابين عند الفقهاء، لا يظنّ هذا إلا من ضلَّ سعيُه )) [1] (.
والوجه الرابع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقامه الله تعالى في موضع البيان لكتاب الله عز وجل، وذلك إنما يناسب أعلى درجات البلاغة. قال الحليمي رحمه الله في الكلام على بيان النبي صلى الله عليه وسلم وفصاحته: (ولو لم يكن على ذلك دلالة سوى أن الله نصبه منصب البيان لكتابه، فقال تعالى:(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) لكان كافيا، فإنه لو لم يكن آتاه البيان، ولم يرقه فيه إلى أعلى الدرجات، لما رضيه لتبيين كتابه، والكشف عن معاني خطابه )) [2] (.
والوجه الخامس: أن العرب الخلص الذين عاش النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، وبث دعوته بين ظهرانيهم، لو علموا في فصاحته ما يعاب، أو ما يخالف أصول البيان والإعراب، لتعلقوا به، وبثوا ذلك في مجالسهم، واتخذوه سبة يتندرون بها في نواديهم؛ ولردوا عليه دعوته بسبب من ذلك، لأنهم من العرب الأقحاح الذين لا يستجيبون إلا لأفصحهم لسانا، وأظهرهم بيانا) [3] (.
فلما لم يوجد من ذلك شيء، ولو أقل من القليل، مع توفر الداعي، وقوة المقتضي، علمنا أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب قاطبة، لا يخالج النفس في ذلك أدنى شك أو شبهة.
(1) 20- ... البيان والتبيين: 2/14.
(2) 21- ... نقله البيهقي في شعب الإيمان: (3/32) .
(3) 22- ... تاريخ آداب العرب للرافعي: 2/228.