فلأجتزئ بذكر كلام الأديب البليغ، مقدم أهل الصنعة، عمرو بن بحر الجاحظ في (البيان والتبيين ) ) [1] (، حين يقول:
(وأنا ذاكرٌ بعد هذا فَنًّا آخرَ من كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجَلَّ عن الصَّنعة، ونُزِّه عن التكلف، وكان كما قال اللّه تبارك وتعالى: قل يا محمد:"وما أنا مِنَ المتَكلِّفين"، فكيف وقد عابَ التشديق، وجانب أصحاب التقعيب، واستعمل المبسوطَ في موضع البسط، والمقصورَ في موضع القصر، وهَجَر الغريبَ الوحشيَّ، ورغِبَ عن الهجين السُّوقيّ، فلم ينطِقْ إلا عن مِيراثِ حكمَةٍ، ولم يتكلَّم إلا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويُسِّرَ بالتوفيق. وهو الكلامُ الذي ألقَى اللّه عليه المحبّةَ، وغشَّاهُ بالقَبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبَيْن حُسنِ الإفهام، وقلّة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقِلّةِ حاجة السامع إلى معاوَدته. لم تسقط له كلمة، ولا زَلّت به قَدَم، ولا بارَتْ له حجَّة، ولم يَقُم له خَصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذُّ الخُطَبَ الطِّوال بالكلِم القِصار ولا يَلتمِس إسكاتَ الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتجُّ إلا بالصِّدق ولا يطلب الفَلْج إلا بالحق، ولا يستعين بالخِلابة، ولا يستعمل الموارَبة، ولا يهمِز ولا يَلْمِز، ولا يُبْطِيءُ ولا يَعْجَل، ولا يُسْهِب ولا يَحْصَر، ثم لم يَسْمع الناسُ بكلامٍ قَطّ أعمَّ نفعًا، ولا أقصَدَ لفظًا، ولا أعدلَ وزنًا، ولا أجملَ مذهبًا، ولا أكرَم مطلبًا، ولا أحسنَ موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح معنًى، ولا أبين في فحوَى، من كلامه صلى الله عليه وسلم كثيرًا ) ) [2] (.
ثم قال:
(1) 18- ... أو قل: (البيان والتبين) كما مال إليه العلامة المحقق عبد السلام هارون عليه رحمة الله.
(2) 19- ... البيان والتبيين: 2/13-14.