-ومثله ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بعض خطباء الوفود بكلام عذب فصيح، فقال له علي رضي الله عنه: (يا رسول الله نحن وأنت بنو أب واحد ونشأنا في بلد واحد، وإنك تكلم العرب بلسان ما يفهم أكثره. فقال:(إن الله عز وجل أدبني فأحسن تأديبي، ونشأت في بني سعد بن بكر ) ) [1] (.
ومن هذه البابة أحاديث أخرى تركت ذكرها اختصارا.
والوجه الثاني: أن الصحابة الذين وصفوا منطقه عليه الصلاة والسلام، شهدوا له - وهم سادات الفصحاء، ومن معدن البلاغة والأدب - بتقدمه في هذا المضمار، بحيث لا يلحق غباره، ولا يدرك شأوُه.
من ذلك ما أخرجه النسائي والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يسرد الكلام كسردكم هذا، كان كلامه فصلا يبينه يحفظه كل من سمعه) .
وقد جاء بسند ضعيف من حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، طويل الفكرة، ليس له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح كلامه ويختمه بأشداقه. يتكلم بجوامع الكلم، فضل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة، وإن دقت، لا يذم منها شيئا، لا يذم ذواقا ولا يمدحه ) ) [2] (.
والوجه الثالث: أن أكابر البلغاء أذعنوا للفصاحة النبوية، وجعلوها تاجا على رأس العربية، يشع نور لآلئها على أرجاء الكلام العربي كله.
بل تخذوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم معينا ثرا يمتحون منه في مكاتباتهم ومخاطباتهم.
والأمر في شرح هذا وتفصيله يطول جدا.
(1) 16- ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لا يعرف له إسناد ثابت) - أحاديث القصاص (78) . وذكره العجلوني في كشف الخفا ( ) ، والشوكاني في الفوائد المجموعة (1020) .
(2) 17- ... أخرجه الترمذي في الشمائل (13-16) والبيهقي في الشعب (3/24-32) .