على أن الفرق بين البلاغة النبوية والإعجاز القرآني ثابت ظاهر لا سبيل إلى طمسه. وهو ذاتُه الفرق بين المعجز وغير المعجز، والفاصل بين كلام الخالق وكلام المخلوق. وذلك أن كلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مهما ارتقى في درجات البلاغة، وتسامى إلى سماء الفصاحة، يبقى كلاما بشريا، تلفه مسحة الإنسانية، وتغلفه سرابيل الفناء البشري.
أما القرآن الكريم، فلا تجد فيه حين تتذوق ألفاظه، وتتدبر معانيه، شيئا من حالات النفس الإنسانية، أو أثرا من تقلباتها. ولذلك تقف أمامه عاجزا متحيرا، تشعر بذل المخلوق وضعفه أمام عظمة الخالق سبحانه.
ولذلك قال الجاحظ:
(.. لأن رجلًا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين.
ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظم القرآن وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع قحطان ومعد بن عدنان )) [1] (.
وفي معنى هذا قول الله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) ) [2] (.
(1) 7- ... رسائل الجاحظ الكلامية: 130-131.
(2) 8- ... سورة الإسراء 88.