الصفحة 199 من 471

... ومن الآيات لهذا النوع قوله تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ } [1] . إنّ الحدس الشخصي يقودنا الى استيضاح الالتفات الوارد في هذه الآية فجاء"الخطاب لهم بعد كون الكلام جرى على أسلوب الغيبة التفات، ونكتته أنّ الكلام لما كان في بيان الحقائق الواقعة أعرض عنهم في تقريره وجعل من الكلام الموجه الى كل سامع وجعلوا فيه معبرًا عنهم بضمائر الغيبة ، ولما أريد تجهيلهم والجاؤهم الى الحجة عليهم غير الكلام الى الخطاب تسجيلا عليهم وتقريعا لهم بتجهيلهم" [2] وبهذا يمكننا أن نلمس أنّ الالتفات قد أثرى النص وبعث في اجزائه تواشجا بديعا يدل بوضوح على قوة الأواصر التي تنتظم خيوطه . وقال تعالى { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلغُ الْمُبِينُ } [3] . والملاحظ أن التعبير قد صرف"الكلام عن الغيبة الى الخطاب على طريق الالتفات وهو أبلغ في تبكيتهم يريد: فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم، فإنّ الرسول ليس عليه إلا من حمله الله وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ماكلفتم من التلقي والقبول والإذعان فإن لم تفعلوا أو توليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله" [4] . وتابع هذا الرأي قسم من المفسرين [5] . وقال تعالى { ... حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } [6] .

(1) ... الأنبياء /7.

(2) ... التحرير والتنوير 17/18-19.

(3) ... النّور/54.

(4) ... الكشاف 3/73.

(5) ... ينظر: التفسير الكبير 24/23، مدارك التنزيل 2/519.

(6) ... النور/62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت