... وقد ورد هذا النوع من التكرار في آيات عدة من بحثنا قال تعالى { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [1] وقال { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... } [2] وفي دلالة هذا التكرير يرى النسفي أنّ التكرار"لتأكيد أمر القبلة وتشديده ؛ لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة فكرر عليهم ليثبتوا" [3] وقريب من هذا المعنى قول أبي السعود ؛ إذ يقول"والتكرير لما أنّ القبلة لها شأن خطير والنسخ من مظان الشبهة والفتنة فبالحري أن يؤكد أمرها مرة غب أخرى مع أنّه قد ذكر في كل مرة حكمة مستقلة" [4] بيد أنّ الطاهر ابن عاشور لم يعط دلالة لهذا التكرار واكتفى بوصفه قائلًا"وقد تكرر الأمر باستقبال النبي الكعبة ثلاث مرات، وتكرر الأمر باستقبال المسلمين الكعبة مرتين" [5] ونحن نرى أن رأي النسفي الأقرب الى الحقيقة من غيره وأنّ التكرار أفاد معنى التوكيد والثبات. ومن تكرار آية مع أخرى قوله تعالى { يَايُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ ... } [6] وقال أيضًا { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ ... } [7] وعن دلالة هذا التكرار يرى أبو السعود ان"تكرير الخطاب على الوجه المذكور لإظهار كمال الأعتناء بشأن المأمور به" [8] أما ابن عاشور فيقول"أعيد نداء النبي - صلى الله عليه وسلم - للتنويه بشأن الكلام الوارد بعد النداء" [9] فجاء تكرار النداء ليفتح آفاق أرحب في معرفة المعنى الذي جاءت من أجله الآية الكريمة ولتؤسس قيمة
(1) ... البقرة/149.
(2) ... البقرة/150.
(3) ... مدارك التنزيل 2/100.
(4) ... إرشاد العقل السليم 1/211 وينظر: التفسير الكبير 4/154-155.
(5) ... التحرير والتنوير 10/66.
(6) ... الأنفال /64.
(7) ... الأنفال / 65.
(8) ... إرشاد العقل السليم 2/373.
(9) ... التحرير والتنوير 10/66.