المبحث الاول
الخبر والإنشاء
... ربما لا أكون مغاليا إذا قلت أنّ مقولات القدامى من البلاغيين والتي من أشهرها قولهم (لكل مقام مقال) و (البلاغة موافقة الكلام لمقتضى الحال) ، قد كوّنت حجر الزاوية في رؤيتهم للنص الأدبي سواء أكان ذلك في الاطار النظري أم في الاجراء التطبيقي [1] ؛ لأن تصور البلاغيين قائم على أساس أنّ"التركيب تختبئ في خصائصه واحواله اشارات ودلالات مختلفة ، وأنّ السياق هو الذي يستخرج من هذه الخصائص مقتضياته، وكأنّ التركيب النفسي أشبه بقطعة من معدن نفيس تعطي ألوانًا كثيرة كلما أدرتها إدارة جديدة والسياق هو القوة التي تحرك هذه القطعة لتشع من ألوانه مايراد اشعاعه" [2] وبناء على ذلك فقد جعل"المفسرون والأصوليون من المعرفة بأسباب النزول أصلًا من اصول تفسير القرآن الكريم واستنباط الاحكام لايقومان الا به وما المعرفة باسباب النزول إلا استحياء للمقام لامندوحة عنه لفهم المقال" [3] ويبدو لنا أنّ هذه الفرضية لايمكن التسليم بها بشكل مطلق يصل الى حد التعميم وعلّة ذلك أنّ دراسة النص القرآني من قبل المفسرين والأصوليين اعتمدت قاعدة أصولية مهمة هي (العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب) وهي مبدأ مهم في عملهم في حين اعتمدت فرضية (سياق الحال) السبب، وهذا بلاشك تناقض واضح بين الأمرين، وربما نقرر حقيقة مهمة وهي أنّ مبدأ سياق الآية والسبب في نزولها اعتمده في الأساس اتجاه (التفسير المأثور) أو (التفسير النقلي) أما الإتجاهات التفسيرية الأخرى فكانت أقل اهتماما بهذا الجانب.
(1) ... ينظر على سبيل التمثيل: كتاب الحيوان 1/94 ، متشابه القرآن ، القاضي عبدالجبار /687.
(2) ... دلالات التراكيب ، دراسة بلاغية، محمد أبو موسى /253.
(3) ... في النص الأدبي دراسة أسلوبية إحصائية ، سعد مصلوح/ 37.