فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 29

أنساق النفضات

الاستاذ-محمداحمد الراشد

كأنها رميةٌ من غير رام: مقالة التابعي أبي رؤية العجاج في رجزه حين قال يروي:

"وكانتِ الحياةُ حين حَيّت" (1) (2)

ولسنا بحاجة إلى خبر يتصل بملاحظته، ولكن معنى ذلك: أن للحياة بداية، قبلها ما كانت حياة، بل هي حياة قديمة لنبات وحيوان لا يعقل، فلما انتشر البشر ونشأت العلاقات والأفكار: شَرَعت الحياةُ تنبض وتتحرك، فالحياة هي الحياة الإنسانية عنده.

ولربما لم يفطن"العجاج"لمعانينا وآفاق التحريك ورصد قوانين التأثير، لكنه جزمًا: قد قارب وحام حول معنى نجده كاملًا، وكأنه تصور بعضه وأدركه ناقصًا، وعرف عنوانه ولم يعرف فصوله، لكنه أفادنا بهذا العنوان الابتدائي جدًا، وفتح لنا الباب، وهكذا هي قابلية الفكر في النماء، يومض ومضة خافتة، يظنها الغافل أنها قد تلاشت، لكنها بعد ألف وأربعمائة سنة تتصل بمثيلتها، فيكون تجديد، وإذا بالومضة تتحول إلى منهجية واسعة لفهم هزات أوتار أقواس الحياة التي ترمي بسهام الحوادث، فيُعقر غزالٌ هو رمز أمة تأخذ تشحط بدمها، أو تكون خطأة، فيصعت من فلت ويملأ الأرض آثارا، وما بين أحوال المالين تكمن قصة"حركة الحياة": بين ضحية أذعنت لحكم السهم النافذ، وواعية راغت يمينا، فتعداها النصل، فاستوفت حياتها مسيطرة.

ففي"سهام"ومؤثرات ترمي بها"الحياة"أهلها وروادها ومن في ساحتها، فتصرع البعض، لكنها تسقط قرب البعض الآخر، فينتزعها فيعيد رميها على أناس آخرين في عرصة التنافس، فلربما أصاب وسجل تفوقًا له حلالًا يعترف به قانون"القوة"، فيغريه الأمر أن يمهر في اتقاء سهام الحياة، فيجمعها بعدما تخطؤه، ويجمع أخرى يرميه بها منافسوه، فيعيد استعمالها، وكانت المعركة اليومية هذه في البداية صغيرة محدودة، لقلة الناس، ولاعتزال الناس لها في البيوت والشعاب والبراري، وهي اليوم كبيرة وضخمة، لكثرة الناس، واختلاطهم وسرعة تنقلهم.

حياة تتهادى... على رسلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت