فهرس الكتاب
استقرار الأحكام الشرعية واضطرابها حينما يَعتريها احتمال التغيير ، ويصبح على كُلّ مجتهد أنْ يعيد النظرَ فيما سبق له مِن اجتهاد ، وهذا مُناقِض لاستقرار الأحكام ، وهو ممنوع وباطِل ، فدَلّ ذلك على لزوم الاجتهاد وعدم تجديده .
مناقشة هذا الدليل:
ويمكِن مناقشة هذا الدليل: بأنّا سَلَّمْنَا أنّ استقرار الأحكام الشرعية قائم على لزوم الاجتهاد وعدم تجديده شريطةَ ألاّ تَتجدد الوقائع أو تَتغير ، فإنْ تَجدَّدَت ووجد فيها ما يَقتضي النظر في الحُكْم السابق وَجَب تجديد الاجتهاد ؛ لأنّه في هذه الحال مؤدٍّ إلى الاستقرار ، أمّا العكس - وهو عدم تكرار النظر وعدم اعتبار تلك المستجدّات والمقتضيات لِمراجعة الحُكْم الأول - فإنّه المؤدِّي إلى اضطراب وزعزعة الحُكْم الاجتهادي الأول .
المذهب الثالث: وجوب التجديد إذا لَمْ يَكُنْ ذاكرًا لِلدليل .
وهو اختيار الفخر الرازي والنووي والآمدي وابن السبكي رحمهم الله تعالى .
وأصحاب هذا المذهب لا يوجِبون التجديد إذا كان ذاكرًا لِدليل الاجتهاد الأول ، ويوجِبونه إذا لَمْ يَكُنْ ذاكرًا له .
وقيَّده النووي - وتَبِعه ابن السبكي رحمهم الله تعالى - بأنْ يَتجدد ما يوجِب الرجوع في الحُكْم الأول .
واحتَجّوا لِمذهبهم: بأنّ المجتهد إذا كان ذاكرًا لِدليل الاجتهاد الأول ولَمْ يَعْرِضْ له ما يَقتضي تغيير اجتهاده فإنّ حُكْمه - حينئذٍ سيَكون كالحُكْم الأول ، فلا داعي لِتكراره ..
أمّا إذا كان غَيْرَ ذاكِر لِلدليل الأول أو كان ذاكرًا له ووجد ما يقتضي
الرجوع في الحُكْم الأول: فلا بُدّ مِنْ تجديد الاجتهاد ؛ حتى لا يَحكم بغَيْر دليل أو تُتْرَك هذه المستجدّات بغَيْر حُكْم شرعيّ ، وكلاهما غَيْر جائز (1) .
ثالثًا - تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليين وأدلتهم في تجديد الاجتهاد يمكِن التوصل إلى ما يلي: